الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

'الخرابة'.. بلازا

'الخرابة' هي التجسيد العامي لنموذج السلوك العشوائي الذي ينتشر عندنا في' برِّ المحروسة' ويتمترس حاملوه به، تشبثا بما هو أسوأ.

العرب محمد هجرس [نُشر في 2017/11/22، العدد: 10820، ص(24)]

قديما، وأنا طفل صغير، كنت أقف أمام لوحة مكتوبة بخط رديء “احذر.. ممنوع الاقتراب أو التصوير” فأنظر حولي ببراءة باحثا عن سبب وجيه للمنع، ودون عناء كثير أكتشف أنني أمام “خَراَبَة” مهجورة، لا حياة فيها ولا ماء، فأكتفي بـ”الهرش” في “عرق الخيابة” الذي كان يتمطع بالجانب الأيسر من وجهي، قبل أن ينتقل حاليا إلى “القفا”.. وأتساءل: إذا كان ممنوعا الاقتراب أو التصوير لـ”الخرابة” فماذا سيكون الحال أمام أي منطقة عامرة؟

“الخرابة” هي التجسيد العامي لنموذج السلوك العشوائي الذي ينتشر عندنا في “برِّ المحروسة” ويتمترس حاملوه به، تشبثا بما هو أسوأ، حتى لو منحت لهم الفرصة للأفضل، ويبرع قاطنوها ليس في تغيير نمط حياتهم للأحسن، ولكن في إضفاء حالة غرامية مع المكان، لا تنتهي أبدا بتقادم السنين، أو بتقدّم العمر، إذ تأقلموا مع طقوس “الخرابة” التي تحولت لتخريب عبثي.

بعد غياب الدولة إثر فوضى يناير 2011، كانت هناك منطقة عشوائية استولى عليها مواطنون بالقوة، وفرضوا الأمر الواقع بوضع يدهم عليها، وبفساد ممنهج، نجحوا في إيصال الكهرباء وخدمات الصرف وغيرها، وأطلقوا عليها اسم “الخرابة مول”، وعندما حاولت الدولة استعادة هيبتها تظاهروا ورفضوا قرار نقلهم إلى حيّ “الأسمرات” الشهير الذي تم تطويره بشكل لائق وعصري، واستيعاب بعض قاطني العشوائيات في شقق جاهزة ومفروشة أيضا.

ولأننا بارعون جدا في التخريب، فإن ساكني العشوائيات نقلوا عشوائيتهم معهم إلى المناطق الجديدة، وبالتالي كان مهينا أن يقوم البعض منهم بسرقة حدائد وأخشاب الملاهي الموضوعة لترفيه الأطفال ويبيعوها لتجار “الخردة”، ولم تسلم حتى الحدائق وأعمدة الإضاءة من عبثهم الذي امتد لـ”لمبات” النور، وحولوا بعض أحيائها إلى “خرابة” بلازا بامتياز، ما أعاد التساؤل عن جدوى إقناع لص بالتوبة.. أو إلزام “عشوائي” بأبجديات سلوك حضاري على الأقل.. لنكون أمام مشكلة مفزعة.

باعة جائلون احتلوا الأرصفة، وشوهوا كل قيمة جمالية، وسرقوا الكهرباء، ومارسوا كل أنواع الاحتيال، ومع ذلك يرفضون ترك أماكنهم بدعوى “الرزق يحب الخِفِّيَّة” والانتقال إلى أسواق مجهزة ولائقة، وعند أي إجراء بحقِّهم يصرخون بأن الحكومة تحاربهم في “أكل عيشهم”. غيرهم نُقلوا إلى مدن جديدة وفي مساكن وأحياء راقية، ولم يرتقوا.. بل نقلوا عشوائيتهم للمكان، وبدلا من الارتقاء بحياتهم، طبعوا بانحرافاتهم مناطق أخرى، ليزداد الطين بلّة.

الآن فهمت لماذا كتبوا “ممنوع الاقتراب أو التصوير” على مجرد خرابة، إذ لا فائدة.. لأردد مقولة سعد باشا زغلول.. “يا صفيّة.. غطيني وصوَّتي”.

محمد هجرس

:: مقالات أخرى لـ محمد هجرس

محمد هجرس

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر