الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

آباء طيبون.. أبناء معذبون

انعدام المراقبة والمحاسبة يجعل الأبناء يسبحون في عالم واسع لا يعرفون له حدا، ولا يدركون ما يخفيه لهم من مفاجآت، فيتحول إلى عالم مخيف بالنسبة إليهم.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2017/11/23، العدد: 10821، ص(21)]

يحتاج الأبناء لأن يشعروا بقوة آبائهم وأمهاتهم ليحسوا بالأمان، كما أن الحدود والضوابط والقواعد تمنحهم شعورا بالرضى والسعادة.

يبدو هذا عكس ما نعتقده جميعا من أن القوانين الأسرية والحدود التي يضعها الآباء لأبنائهم تشكل في الغالب مصدر تعاستهم وضجرهم، إلا أن علم التربية الحديث يرى أن رسم حدود واضحة للأبناء يجعل المنطقة التي يقفون فيها منطقة آمنة بالنسبة إليهم، بسبب وجود سُور عال (حدود) يحميها ويحيطها ويحولها إلى مكان مألوف ومعتاد.

الأب القوي لا يعني بالتأكيد الأب الذي لا يضحك إلا نادرا أو الذي لا يتحدث مع أبنائه إلا عرضا، فلا تقل هيبته أو يذهب وقاره، أو ذلك الذي يضرب ويصرخ ويشتم ويحبس.

والأم القوية ليست تلك التي تتذمّر طوال اليوم، أو التي تشتكيهم إلى الأب بعد كل حركة يقومون بها، وهي بالتأكيد ليست تلك التي تشتم وتهين وتصرخ وتؤنب. القوة المقصودة هي قوة الاتفاقيات المبرمة والتماسك والنظام الداخلي للأسرة والتزام الجميع به.

القوة هي في الإحاطة بعالم الطفل ومتابعة شؤونه ومعرفة كل كبيرة وصغيرة عنه، وفي القدرة على تمثّل حياته ومشاعره والتعاطي معها بشكل سليم.

والقوة هي أيضا في عدم التساهل أو التغافل والتراخي أمام أخطاء الأبناء المتكررة وتجاوزاتهم بسبب الطيبة المفرطة أو الانشغال بأمور الحياة أو غيرها من الموانع.

انعدام المراقبة والمحاسبة يجعل الأبناء يسبحون في عالم واسع لا يعرفون له حدا، ولا يدركون ما يخفيه لهم من مفاجآت، فيتحول إلى عالم مخيف بالنسبة إليهم يبعث فيهم الارتباك ويشوّش تفكيرهم.

عندما تختفي الضوابط والحدود، أو الأسوار التي تحيطهم وتعزلهم وتشعرهم بالأمان يجد الأبناء أنفسهم مكلفين بالتعاطي مع العالم الخارجي وفق ارتجالاتهم الشخصية، فيتخبطون فيه يمينا ويسارا، يقعون ويقفون، وقد يقعون وقعة لا وقوف بعدها.

أحد أفضل الطرق التي تشعر الأبناء بالأمان هي في تكرار رد الفعل نفسه، باستمرار ودون ملل. فيصبح الأمر بديهيا بالنسبة إلى الأبناء: إذا فعلت كذا سيحصل كذا. وعلى عكس شعورنا نحن الكبار بالملل والضجر من الروتين ومن تكرار الأشياء نفسها في حياتنا اليومية فإن الروتين مهم للأبناء وهو باعث رئيس على الأمان، لأن تعويدهم على الأشياء نفسها وردود الفعل نفسها يمنحهم شعورا بالألفة، ألفة الأشياء والبشر والسلوكيات وردود الفعل، ويمنحهم القدرة على توقع ما ينتظرهم.

فإذا ما تراوحت ردود الفعل بين التفريط مرة والمعاقبة في أخرى، وبين التجاهل مرة والإلحاح مرة أخرى، بين القسوة هنا والطيبة هناك، وبين الغفران والتشدد، يفقد الأبناء بوصلتهم ويترنح عالمهم تحت أقدامهم وليتوقفوا عن معرفة ما ينتظرهم.

الطيبة التي يتمسك بها أولياء كثر معتقدين أنها قارب النجاة واليد السحرية التي ستنتشل الغريق من مائه ليست كذلك إذن، أبناء كثيرون ينقمون على آبائهم تحديدا لهذا السبب، لأن الطيبة المقرونة بالتسامح والتساهل والتفويت والتغافل والإفلات، تعني بالنسبة للأبناء عالما غير آمن، وتعني أيضا الخوف والقلق والحيرة والضياع.

كاتبة تونسية

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر