الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

استطلاعات الرأي والاختبار الفرنسي

ما يهم العالم اليوم ليست صدقية استطلاعات الرأي، ولكن الكل يترقب الموجة القادمة في السياسة الغربية، وهل ستواصل أوروبا المضي في دعم التيار الشعبوي اليميني.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2017/04/10، العدد: 10598، ص(6)]

ازداد اهتمامي بمتابعة منحنى استطلاعات الرأي في الاستحقاقات الانتخابية التي ستجرى في دول أوروبية عدة خلال العام الجاري منذ الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، واستفتاء بريكست في بريطانيا، إذ فشلت آلية استطلاعات الرأي في التنبؤ بالفائز بالانتخابات الأميركية، وكذلك سقطت في بريطانيا وأخفقت في توقع قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وأعتقد أنها تخضع لاختبار صعب وعسير في فرنسا حاليا، لا سيما أن هناك تجربة لم ينتبه إليها الكثيرون نهاية عام 2016 ومطلع العام الجاري، حيث خالفت نتائج الانتخابات التمهيدية في اليمين واليسار توقعات استطلاعات الرأي، وأسفرت عن هزيمة مفاجئة للمرشحين الأوفر حظا في معسكري رئيس الوزراء اليميني السابق آلان جوبيه ورئيس الوزراء الاشتراكي السابق مانويل فالس.

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن فرص زعيم اليسار المتطرف جون لوك ميلونشون هي الأكثر ترجيحا في انتخابات الرئاسة الفرنسية التي ستجرى في نهاية الشهر الجاري، حيث أكد استطلاع معهد إيلاب أن ميلونشون بدا الأكثر إقناعا بالنسبة لـ 25 بالمئة من مشاهدي المناظرة الأخيرة أمام زعيم حركة “إلى الأمام” إيمانويل ماكرون (21 بالمئة) ومرشح حزب “الجمهوريون” اليميني ﻓرانسوا فيون (15 بالمئة).

ورغم الفارق الكبير الذي يفصل بين المرشحين الثلاثة في الصدارة وبين منافسيهم، فإنني أجد نفسي مضطرا إلى الإشارة إلى صعوبة تجاهل فرص “بعض” هؤلاء المنافسين في استطلاعات الرأي، وتحديدا زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن (11 بالمئة)، التي تأرجحت فرصها بشكل ملحوظ ولا يمكن استبعاد فرصها تماما بناء على ما ينشر من نتائج الاستطلاعات.

نتائج استطلاعات الرأي في انتخابات فرنسا يمكن ألا تكون ذات دلالة حقيقية على صناديق الاقتراع لأسباب عدة، في مقدمتها أن نتائج الاستطلاعات نفسها قد تأرجحت بشدة خلال الأسابيع الأخيرة، فضلا عن أن الفوارق الإحصائية التي تفصل مرشحي الصدارة عن بعضهم البعض ليست كبيرة، ويمكن أن تذوب وتتآكل في التصويت الحقيقي، لا سيما أن التفوق الرقمي في النتيجة السابقة يرتبط بعنصر واحد فقط هو إقناع الناخبين في هذه المناظرة.

في حين أن هناك عناصر أخرى تفوق فيها منافسه الأبرز إيمانويل ماكرون، الذي حصل على نسبة 23 بالمئة من آراء العينة كأفضل برنامج انتخابي، يليه ميلونشون بنسبة 22 بالمئة، فيما يلاحظ أن مارين لوبن قد حصلت في هذا العنصر على 15 بالمئة من آراء العينة. كما حصل ماكرون أيضا على الأفضلية في عنصر “توافر صفات رئيس الدولة” حيث حصل على 27 بالمئة من التأييد، يليه ميلونشون بنسبة 21 بالمئة وهو فارق نقاط كبير نسبيا في هذا العنصر الحيوي.

ما يدفعني إلى الحذر في التعامل مع نتائج الاستطلاعات بشكل عام أمور عدة، أهمها أن دخول وسائل التواصل الاجتماعي كعامل تشكيل بالغ التأثير في اتجاهات الرأي العام قد أحدث تغييرات واضحة ولم تخضع بعد للدراسة الجادة في آليات تغيير قناعات واتجاهات الجمهور، فالمسألة لم تعد كما كانت سابقا، حيث كان الإعلام التقليدي يحتاج إلى فترة زمنية معينة ومتغيرة بحسب معطيات وظروف كل مجتمع لإحداث التغيير، سلبا وإيجابا في الاتجاهات، ولكن الحاصل الآن أن التغيير يمكن أن يتم في دقائق معدودات عبر “تغريدة” مؤثرة، وفيديو مباشر لواقعة أو تصريح أو اعتداء إرهابي يتم بثه مباشرة خلال ساعات التصويت!

لابد أن نعترف بأن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل هائل في اتجاهات الجمهور، ما يجعل فكرة استطلاع الرأي قبل الاستحقاقات الانتخابية بأسابيع وشهور فكرة محدودة الفاعلية بشكل كبير، وهذا لا يعني انتفاء جدواها ولكن يجب الحذر في التعامل باعتمادية مطلقة مع نتائجها.

من الملاحظ أن التغيرات في بنية انتقال المعلومات في المجتمعات الحديثة قد عمقت ظاهرة المترددين، وتسببت في تزايدها، كما أنتجت فكرة تبادل المواقع أو المراكز، حيث يمكن أن ينتقل الناخب من دعم مرشح إلى آخر بناء على حادث عارض ولكنه يرتبط جوهريا بحياة الناس، ويكفي الإشارة إلى أن ثلث عينة استطلاعات الرأي في انتخابات الرئاسة الفرنسية (تتراوح بين 31 بالمئة و38 بالمئة) تنتمي إلى فئة المترددين، أي أن كل هؤلاء لم يحسموا قرار التصويت أو من الممكن أن يغيروا آراءهم، وهذه نسبة كفيلة بإرباك أي حسابات والحذر من إبداء أي تقديرات لاتجاهات التصويت المحتملة.

ما يهم الغالبية في العالم ليست صدقية استطلاعات الرأي، ولا منهجيتها، ولكن الكل يترقب الموجة القادمة في السياسة الغربية، وهل ستواصل الشعوب الأوروبية المضي في دعم التيار الشعبوي اليميني، أم أن مد هذا التيار سيتوقف على أبواب انتخابات الإليزيه؟ حتى الآن، المؤشرات الإحصائية تقول إن مارين لوبن زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة والاتحاد الأوروبي، وهي المعادل الفرنسي لأفكار الرئيس الأميركي ترامب، قد تراجعت إلى مرتبة متأخرة بعد أن تصدرت الاستطلاعات في مراحل أولية، وتحديدا في نهاية يناير الماضي بنسبة تأييد بلغت 25 بالمئة، وكان ماكرون في مرتبة متأخرة نسبيا.

خبراء الانتخابات الفرنسيون يقولون إن لوبن إذا تجاوزت الجولة الأولى ودخلت الجولة الثانية من الانتخابات في السابع من مايو (وفقا للنظام الانتخابي الفرنسي، إذا لم يحصل أي مرشح على ما يزيد عن 50 بالمئة من الأصوات في الجولة الأولى، فإن الحائزين على أعلى معدلات تصويت يخوضان جولة ثانية)، فإنها غير قادرة على الحسم، لأن معظم الفرنسيين يرفضون توجهاتها، لا سيما المناهضة للاتحاد الأوروبي، ولكن درسي ترامب وبريكست علمانا أنه لا شيء مستحيلا في الانتخابات.

أيام تفصلنا عن الاقتراع الرئاسي في الثالث والعشرين من أبريل الجاري، واتجاهات التصويت يمكن أن تثبت، ويمكن بالمقابل أن تتغير تأثرا بالأحداث الجارية بشكل مرعب، والتأرجح كبير في حالات معينة مثل الاعتداءات الإرهابية وغيرها، وعلينا التعامل مع نتائج استطلاعات الرأي بالكثير من الحذر، والقليل من الموثوقية.

كاتب من الإمارات

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر