الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

تدريسيون خارج تغطية كليات الإعلام

وسائل الإعلام العربي تشهد تحولات واسعة في هيكل مؤسسات الإعلام وملكيتها، مع بدء تخلي الحكومات عن احتكار ملكية وسائل الإعلام.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/07/06، العدد: 10683، ص(18)]

بعيداً عن جدلية الأكاديمية والمهنية، فإنَّ لكل مهنة مرجعية علمية يتم العودة لها في تطوير المجال، وبالتالي فإنَّ ضعف الأداء العام في بعض كليات الإعلام في الوطن العربي، ليس بسبب ضعف البناء المؤسسي لهذه الكليات، وارتباك السياسات، وتواضع برامج الاستقطاب، وضعف المناهج الدراسية فقط، بل لعدة أسباب أخرى، أبرزها ضعف مهنية وحرفية من يعلم ويدرب طلبة هذه الكليات، وهي تكاد تكون جوهر الأزمة في صناعة الإعلامي الجديد.

ويزداد الأمر سوءا عندما تركز الخطط الدراسية في معظم البرامج على الجوانب النظرية، فيما لا تتجاوز المساقات التطبيقية في أحسن الأحوال على 10 في المئة، وهو أمر يساعد أصحاب الشهادات النظرية اختراق هذه الكليات، وتأسيس نموذج تعليمي سلبي لخلق نظام معرفي نظري لا يشجع على الابتكار، ولا يؤسس لثقافة تطبيقية ميدانية.

وكما يبدو مهما الكشف عن عمق الفجوة بين تلك النظم، وما يشهده تعليم الصحافة والإعلام في العالم من تحولات خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ومدى قرب مؤسسات تعليم الصحافة في الوطن العربي من النقاش المحتدم منذ سنوات، حول الحفاظ على جودة الصحافة في ضوء التحولات الكبيرة التي تشهدها، بفعل تكنولوجيا الاتصال، والانتقال الكبير من الاتصال العمودي التقليدي إلى الاتصال الأفقي الجديد الذي يلعب فيه المواطنون الدور الرئيسي، ما ينعكس سلبا على نوعية الخريجين وقدرتهم على المنافسة في السوق.

وبدون شك، إن الجانب النظري مهم، ولا أدعو إلى إلغائه، لكن التحدي الأكبر لهذه الكليات هو أنها تضم تدريسيين في مجال الصحافة والإذاعة والعلاقات العامة، ليست لديهم تجارب سابقة في هذه المجالات، فالبعض منهم لم يكتب خبرا صحافيا، ولم يشاهد صحيفة ومطبعة في حياته، مع أن البعض منهم يحاضر في التحرير الصحافي أو في التصميم الصحافي، مثلما هناك من لم يشاهد في حياته استديو إذاعي وتلفزيوني، مع أنه يصر على تدريس هذا الاختصاص.

بل أذهب أبعد من ذلك من خلال تجربتي الشخصية، أن الكثير من منهم لم يقرأ قصة أو رواية أو كتاب خارج تخصصه، لأنه لا يطيق التعامل مع العلوم الأخرى تعصبا أو جهلا، حتى إن الكثير منهم يجهل أن الإعلام خرج من معطف علم الاجتماع، وأن نظريات الإعلام هي من أفكار علماء الاجتماع والنفس. والمحزن حقا أن الكثير منهم لم يتابع صحف بلده، أو يقرأها كناقد ومتابع متخصص. بل إن البعض منهم خارج التغطية الإعلامية، مكانيا وزمانيا!

والحل كما أرى، أن هذه الكليات تحتاج إلى ممارسين يحملون شهادات عليا، مثلما تحتاج إلى خبرة الممارسين في الإذاعات والصحف لتدريس المواد التطبيقية، وتكييف قوانين التعليم العالي بما يسمح لهم قانونيا لتلاقح الأفكار والاستفادة من تجاربهم العملية، كما يحدث في الغرب. مع إعادة الاعتراف بمعايير اعتماد الأساتذة الجامعيين في أقسام الإعلام، التي تركّز على الجانب الأكاديمي، كالتوجه إلى تأسيس تقاليد للاعتماد العلمي تقوم على الخبرة والشهادة كأولوية للتعيين، لأننا اليوم أمام جيش من حملة الدكتوراه في مجال الإعلام، وجيش من الطلبة غير المؤهلين ما ينعكس سلبا على نوعية الخريجين وقدرتهم على المنافسة في السوق.

وضعف الاستجابة للتجديد والتكيف مع التغيير والاندماج السريع مع التكنولوجيا وبيئات الأعمال الجديدة. كان جوزيف بوليتزر يقول “إن الصحافيين الذين لا يتعلمون مهنتهم في كليات علمية يتعلمون مهنتهم على حساب الجمهور”. وإذا لم تتطور كليات الصحافة في الجامعات العربية، فإن الكثير من الصحافيين العرب سيبقون يتعلمون مهنتهم على حساب الجمهور وسيبقى الجمهور أسيرا للاستبداد والفساد والتخلف.

والخلاصة، أن وسائل الإعلام العربي تشهد تحولات واسعة في هيكل مؤسسات الإعلام وملكيتها، مع بدء تخلي الحكومات عن احتكار ملكية وسائل الإعلام، مما يتيح للقطاع الخاص والمجتمع فرصة امتلاك وسائل الإعلام وإدارتها، وهذا الأمر يؤدي إلى ظهور منافسة حقيقية بين وسائل الإعلام، تحتاج إلى صحافيين مهنيين منافسين، وهذا لا يمكن أن يتحقق بوجود هذا الجيش من التدريسيين غير المؤهلين مهنيا وحرفيا وثقافيا، وهي أزمة حقيقية جسّدها أحد التدريسيين في مؤتمر علمي عندما استعرض صحافة بلده وذكر صحيفة “النهار البيروتية” بالتحليل، رغم أنه من بلد عربي آخر غير لبنان وسط ذهول الحاضرين.

أستاذ بكلية الإعلام جامعة عجمان

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر