الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

مانشيت السياسي... مانشيت الحدث

ربما حدث رياضي كبير، أو فوز أديب بجائزة كبيرة، أو قضية رأي عام ، ممكن أن تحتل الصفحات الأولى، كما في الصحف الغربية. وهو تقليد جميل أميل إليه، واعتنق مذهبه الصحافي.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/07/27، العدد: 10704، ص(18)]

كثيرا ما أحرج أمام طلبتي في الجامعة أو في الدورات الصحافية، عندما أحاول أن أتحدث عن الفنون الصحافية الحديثة، لأن ما هو موجود في تقاليد الصحافة العربية يختلف عنه في تقاليد الصحافة المعاصرة وأدبياتها العلمية. فأواجه أحيانا بأسئلة محرجة للغاية، خاصة من بعض المشاكسين أو الخبثاء لإيقاعي بمشكلات غير قادر على مواجهتها بشفافية.

قبل أيام كنت في دورة صحافية للمحترفين، وكان من أجندات الدورة الحديث عن فن المانشيت الصحافي الذي يقلق عادة إدارة تحرير الصحف يوميا، ويضعها أحيانا أمام إحراجات أصحاب القرار السياسي بالذات، وغالبا ما يكون محكوما باعتبارات المواءمة السياسية، لأن معظم المانشيتات للصفحات الأولى محتكرة لهم في الكثير من الصحف العربية.

ويشكل العنوان أحد الجوانب الهامة المعرضة للنقد في الصحيفة وقد يستاء القارئ من خبر معين أو من طريقة تغطية حدث من الأحداث، ولكن شكواه دائما تنحصر في النهاية في رفض الطريقة التي كتب بها العنوان، وربما تهتز شعبية الصحيفة نتيجة سوء عناوينها، وقد يغفر القارئ للمحرر أحيانا بعض التلاعب بالألفاظ أو التوجيه في الأخبار أو المقالات الافتتاحية، ولكن من الخطورة البالغة إتباع ذلك مع المانشيتات.

وعموماً فإن الرسالة التي لا تجد من يستهلكها تدلل على عجز صانعها وسوء صناعتها من ناحية أولى، وتعبّر عن جهد في فراغ من ناحية ثانية، فهي تصنع من أجل استهلاكها اليومي المباشر، لهذا كلما أدت وظيفتها بعملية وسهولة أكبر، كان الإقبال عليها أكثر، وبالتالي اكتسبت مبررها من إدراك أهمية المعلومات كرسالة مؤثرة.

ولقد أحرز فن المانشيت تقدّما في إبداعه، وأصبح صنعة لها رجالها، ومادة لها نماذجها الاسترشادية، وأساليبها التحريرية، لكنه يعاني في قطاع واسع من الصحف العربية من حالة من التيه، والفوضى، وغياب المعايير التي تتشكل من قواعد ذهبية، وهي الابتعاد عن الكلمات الضعيفة والركيكة والسوقية، واستخدام ألفاظ تخدش الحياء العام. مع الأهمية أن يتناول جديدا لا يعرفه القراء، وأن يكون مباشرا ومختصرا وجاذبا، ويتسم بالدقة والوضوح والمسؤولية والجاذبية، ويستخدم كلمات بسيطة، ويبتعد عن التعميم والمترادفات والإطالة والكلام الإنشائي، وقد يكون المانشيت الناجح كلمة واحدة.

وعلم الصحافة المعاصرة يقول بإيجاد طرق مبتكرة وجديدة نحو التغيير، ولا تتحدد بأطر مقولبة، بحيث يؤدي إلى أثر تراكمي متسلسل، يؤثر في الوجدان، وينشر الحقيقة، بأسطع بيان وأبلغ أثر. لذا ينبغي أن لا يرتبط بالأحداث السياسية فقط ، وإنما أيضا يرتبط بأهم الأحداث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والرياضية والفنية.

ربما حدث رياضي كبير، أو فوز أديب بجائزة كبيرة، أو قضية رأي عام ، ممكن أن تحتل الصفحات الأولى، كما في الصحف الغربية. وهو تقليد جميل أميل إليه، واعتنق مذهبه الصحافي.

فوجدت في وجوه الصحافيين بعض الاستغراب، لأنه يناقض الواقع وممارساتهم في صحفهم، مما أثار فيهم حب توجيه الأسئلة، أحيانا بعفوية، وأحيانا أخرى بخبث!

إنها مفارقة حقا بين النظري والتطبيقي، وبين تعلم الفنون الحديثة ونقلها للجيل الصحافي الجديد وبين ما تعلموه من ممارسات خاطئة في صحفهم أو في كليات الإعلام!

والغريب أن الصحف الناطقة في اللغات الأجنبية في بعض الأقطار العربية، تنحو بأساليب الصحافة الغربية وتقاليدها، وهو أمر مهم وصحيح لأنهم يخاطبون العقل الأجنبي وسيكولوجيته وأسلوب التلقي الذي اعتاد عليه.

وهذا ما حدث لي شخصيا، فقد استيقظت على تليفون من زميل لي يهنئي على حصولي على أحسن بحث عربي في مجال الإعلام من جامعة الدول العربية، فأنكرت هذا الأمر، لكنه سارع وقال لي بأن صحيفة “خليج تايمز” الإماراتية اليومية الناطقة بالإنكليزية قد نشرت الخبر في صفحاتها الأولى وبالمانشيت الرئيسي، كما نشرته الصحف المحلية أيضا.

ولقد وجدت أكثر من مفارقة في الأمر: المفارقة الأولى أنني لم أبلغ من جامعة الدول العربية بالفوز، وقد أخذ الخبر كما يبدو من الوكالات.

والمفارقة الثانية، وهي القضية التي كنت أركز عليها، بأن الصحيفة وضعت المانشيت الرئيسي لها على صفحتها الأولى بعنوان “دراسة تهاجم غياب الشفافية في العالم العربي وتنادي بحرية الإعلام”، بينما صحف محلية وضعت الخبر في صفحاتها الأخيرة، وبأماكن غير بارزة، وأفردت مانشيتات كبيرة لفنانين من الدرجة الثانية!

المهم أنني نسيت فرحة الجائزة، وعشت نشوة المانشيت الذي جعلني أشعر بنشوة المسؤول الكبير، ولكن هذه النشوة كانت ليوم واحد فقط مع الأسف!

أستاذ بكلية الإعلام –جامعة عجمان

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر