السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

منديلك يا 'عزيزة'

لعل اللوحات التي تصور مشاهد طبيعية من فلسطين المحتلة للفنان الفلسطيني سليمان منصور تجسد تجليات “الصورة الأولى” التي نقشت في مسامات ذاكرته.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/07/28، العدد: 10705، ص(17)]

لم تكن بيروت في بدايات الحرب اللبنانية تغصّ بكثرة المباني بالشكل الذي هي عليه اليوم، منطقة تلة الخياط حيث عشت، قبل أن أغادرها منذ بضع سنوات، كانت هناك تلة كبيرة، وعند كل ربيع من كل سنة كانت أزهار الربيع الصفراء تغزوها وتبث عطرها النافذ إلى خارح حدودها، كانت والدتي تلفت نظرنا إلى تلك الرائحة الاستثنائية كلما حلّت: دعوة سحرية إلى بدء موسم “الهروب” إلى التلة.

هناك كنا نلعب ونمضي وقتا برفقتها، أذكر أنني كنت أسترق النظر إلى والدتي وهي جالسة على العشب وسارحة في مشاهد داخلية كانت ترسم على وجهها حزنا غريبا حرصت على تبديده بابتسامة، أكثر إشراقا من كل الزهور الصفراء التي كنا نلعب في كنفها، كلما انتبهت أنني كنت أنظر إليها.

في أحد الأيام، خرق هذا الروتين العذب حدث مهم، ونحن منهمكون بقطف الزهور والتدحرج على العشب رأيت شخصا يتقدم نحونا ببطء، خفت للوهلة الأولى، واعتقدت أنه مالك هذه التلة جاء ليعاقبنا على قطف أزهارها.

يومها ركضت إلى والدتي ووقفت بالقرب منها لأجد أن الشخص المتقدم نحونا هو امرأة كبيرة في السن ومُشرقة الوجه قد لونت الشمس خديها بحمرة ناعمة، أكثر ما لفتني هو منديلها الأسود المُزدحم بصور للأزهار ومنها الكثير ما يشبه أزهار الحقل الأصفر.

هكذا تعرفنا على “الست عزيزة” التي جاءت على ما بدا لي من الغيب أو من العدم، لا أهل ولا بيت لها إلاّ هذا الحقل، بتنا أنا وإخواني نترقب حضورها بفرح لأنها كانت تجالس والدتي طوال الفترة التي كنا نلعب فيها، كانت تختفي كما كانت تظهر بمنديلها ذاته المزركش بأزهار كنت أعتقدها سحرية ولا يملكها أحد غيرها، أذكر جليا أن والدتي قالت لي يوما إن “عزيزة” هي سيدة الحقل.

مرّ أكثر من سنة على هذا المنوال، إلى أن كفّت عزيزة عن الظهور، دون سابق إنذار، بات الحقل حزينا بأزهاره وعادت والدتي إلى الجلوس هي ومشاهدها الداخلية بعيدا عنا، ولكن في صميم إحساسنا بها.

ثم لم نعد نحب الصعود إلى التلة لا نحن ولا والدتي، واختفى الحقل كليا من واقعنا وكأنه لم يكن يوما موجودا، ثم أكلته المباني ولم يبق منه اليوم إلاّ بضعة أمتار “هبطت” على الأرض من عليائها.

لا أذكر مشهد ظهور عزيزة إلاّ وكأنه لحظة على هامش الزمن، كان ظهورها في حلاوة بطئه يرمم كل ما يحتاج إلى الترميم، ويؤسس لكل ما قُدّر له أن يتأسس.

قد تكون قصة عزيزة لا تهمّ أحدا، ولكنها خطيرة الأهمية في فهم كنه ما يؤسس للأعمال الفنية الناجحة المشحونة بالمعنى.

ما قدمته عزيزة، سيدة الحقل الربيعي، من مشهد لا يختلف بتاتا عن أي صورة أولى نقشت ذاكرة أي فنان تشكيلي لتكون المؤسسة لفيض من صور لا تنضب ولا تنفك تظهر بهيئات متداخلة ومختلفة في لوحات تشكيلية ظاهرها مشهدي/ طبيعي، وداخلها وجودي/ رمزي.

لعل اللوحات التي تصور مشاهد طبيعية من فلسطين المحتلة للفنان الفلسطيني سليمان منصور تجسد تجليات “الصورة الأولى” التي نقشت في مسامات ذاكرته.

حقول الزيتون والبرتقال في لوحاته ليست بحقول عادية، إذ تنضح منها غرابة عميقة خارج الزمن، إنها “نسخات” عن الصورة الأولى التي أسست لمنطق تعبيره، وربما هي لمشاهدته حقل زيتون أو ما هو نقيضه.

الناظر إلى لوحاته لا يستطيع إلاّ أن يقول “يا ليت هذه المشاهد تدوم إلى الأبد”، أمنية تتحقق.. فهذا وعد الصور الوافدة، إنها ترجمة لما قاله المفكر جورج باتاي “هذه الصور تجارب مفصلية، ليست هي من نوع الصور التي تواسينا، هي تفتح أمامنا أبواب الشك والقلق، إنها الصور التي تجعلنا ننزف من الداخل”.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر