السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

الغلو الشيعي والغلو السني هدما الموصل

  • مدينة محطمة، تاريخها انتهك وحاضرها مدمر ومستقبلها مقلق، هو حال الموصل بعد أكثر من ثمانية أشهر من الحرب لـ”تحريرها” من داعش، كما هو حال مدن عراقية غيرها دخلتها آلة الغلو، بطرفيه السني والشيعي، فسحقت معالمها ودنست الحياة فيها، ضمن صراع سياسي بمعالم مذهبية تتبادل الأدوار فيه؛ تارة يتقدم السني وأخرى تكون الغلبة للشيعي في صراع لن يستفيد منه العراق شيئا غير الخراب الذي لن ينقذ العراقيين منه غير ثقافة قوية تواجه المكر الإيراني وعقلانية علمانية عربية تتصدى للتطرف السني ومواقف واعية تقطع مع العنصرية القبلية، وكل ذلك يحتاج نقد العقل العراقي واقتلاعه من أزمته.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/07/30، العدد: 10707، ص(6)]

سكون عاصف

المغالاة كريهة حتى في الحُبّ، لهذا تجد الأغاني الأجنبية في معظمها خالية من الغلو. المجتمع الغربي لا يشجع على العشق بمعناه المرضي الذي مثّله مجنون ليلى. هذا النوع المرضي من العشق كان مرتبطا بعقلية قديمة انتهت.

المهم هو العلاقة السليمة بين الجنسين. الحب هو العناية الشاقة بهذه العلاقة. السعي الدائم نحو خلق ذكريات جميلة من خلال الاقتصاد والسفر والمعاملة الحسنة، اقتسام العمل في المنزل والاحترام المتبادل. انتهى ذلك الحُبّ المبالغ فيه وانتهت أدبياته الكريهة منذ العصرين الفيكتوري والباروكي.

المطلوب في العلاقة العاطفية ليس أن تقتل نفسك وليس أن تبالغ كثيرا بالكلام بل المطلوب أن تعيش جيدا. أن تحب الحياة على نحو سليم. هناك وعي صحّي في كل شيء؛ حتى الحُبّ هو جزء من اهتمامنا بصحتنا. فشريكة حياتك تنظم ساعات نومك في سرير مشترك، وهذا مهم جدا لصحتك.

كذلك الدين يدخل في هذا الفهم الجديد. فقد انتهت تلك المبالغات الغنوصية، خصوصا الفرق الباطنية وتمجيد الرموز. انتهت تلك المبالغات الصوفية أيضا. وكل تلك الأشياء الدينية كانت مرتبطة بفهمنا للعشق وغير منفصلة عنه.

يقول الحلاج مثلا “حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف باتصافه”، هذه مبالغات غير مفيدة فالعاشق المريض يحاول تقليد معشوقه في كل شيء. يتنازل عن شخصيته المستقلة ويصبح مسخا ذائبا في شخص المحبوب.

هناك ضرورة إلى فكر نقدي علماني عراقي يستفز حاجة السنة إلى عقل ويستفز أيضا ميول الشيعة المعروفة بالعلمانية والجدل. الاختلاف العراقي يكمن في الخرافات والاتفاق لن يكون إلا في العقل

الكنديون يطلقون على ذلك كلمة “أوبسشن” وهو مرض يصيب بعض العشاق فيتحول إلى مهووس مختل عقليا. مثل هذا الشخص يبتعد الناس عنه، والمستهدف من هكذا عشق مرضي يتصل بالشرطة ويبلغهم بأنه متورط بعاشق مخبول.

إذا كان الإنسان المعشوق يتضايق من مثل هذه المبالغة مرضية ويتم عرض العاشق على الطبيب وتوقيعه على أوراق قانونية تأمره بالابتعاد عن المعشوق المنزعج. وهو سينزعج بكل تأكيد فلا أحد يطمئن لعشق المجانين فكيف بالخالق؟

في جمال العقل

بالنسبة إليّ درّبتني أسرتي مبكرا على الفلسفة. يعود الفضل في هذا لأبي الشيوعي. لا أحب الغنوص والصوفية والمبالغات يعجبني العقل. ما أجمل العقل.

وما هو داعش مثلا أليس مجرد مبالغة؟ رجل في إصدار داعشي يقول إن الله عزيز وإنه بحث فلم يجد ما يقدّمه سوى نفسه. ثم يريك الإصدار كيف يفجّر الأحمق نفسه. وما هو التشيع مثلا أليس مجرد مبالغة حول أشخاص مساكين لا ذنب لهم في هذه المبالغات. إن العقل نعمة لم نستخدمها كما ينبغي. وإلا ماذا تسمّي غسل الشيعة لأقدام الزوار الإيرانيين بوصفها أقداما مباركة تعبت سعيا نحو الحسين؟ أليس هذا مجرد مبالغة سخيفة.

شخصيا ورثت موقفا علمانيا متطرفا عن أبي. كان مثلا يسخر من عناية المثقفين بالمعتزلة يقول ما فائدة ذلك؟ هؤلاء أناس عاشوا في زمن مظلم قبل ألف سنة. لم يكن هناك عقل سوى العقل الديني وتأثروا بفلسفة اليونان القديمة. كل ما استطاعوا فعله هو التوفيق بين الحق بالتفكير الأرسطي والدين.

ما أهمية ذلك في عصر الفلسفة الغربية الحديثة والتطور العلمي السريع. لماذا علينا العودة إليهم؟ العقل الغربي موجود ولا داعي للفّ والدوران.

ماذا نستفيد من الغنوص في عصر الأنوار الغربي؟ الشبلي وقف على الحلاج وهو يحتضر على الصليب وردد الآية “أولم ننهك عن العالمين”، ما هذه الشعبذة؟ رجل مخبول يستجدي الناس ببغداد لقتله. يقول لهم تصبحون مجاهدين وأنا شهيد لو قتلتموني. وحين تنوي السلطة قتله فعلا يهرب ويتخفى في الأحواز.

قضية سخيفة جدا. ماذا نفعل بهذه الثقافة المشبوهة. نشأت على يد أحد الشيوعيين العراقيين القدامى الذين لا يقبلون هذا التخريف وليس المحدثين الشيوعيين الذين يمجدون الغنوص الإسلامي.

الثقافة العراقية تحتاج إلى مراجعة علمانية جملة وتفصيلا. تقول فتاة عراقية أول مرة سمعت بك عام 2015 بجامعة بغداد. كان هناك طالب ذكر اسمك وقال هذا “كاتب شروگي من البصرة” ومنذ ذلك الحين صرت أقرأ كل كلمة كتبتها. البنت في النهاية أرسلت إليّ قصيدة حب.

المهم هنا أن العراق هذا وضعه حاليا. الإسلام نفسه حاول خلق مجتمع خارج القبيلة قائم على الأخوة الروحية والإيمان. في النهاية انتصرت القبيلة. بالنسبة إليّ حتى داعش أعتبرها في بعض جوانبها شيئا غريبا. وإلا كيف تخضع هذه القبائل الشرسة والمتغطرسة لحزب ديني؟

مجتمع عراقي محمل بالعنصرية والاحتقار لبعضه البعض، وطبعا العرب يتعاملون الآن مع إيران وليس مع شيعة العراق البسطاء. بعض أهالي الموصل، تلك المدينة التي تتفاخر بالضباط السنّة الباشوات والميراث العسكري العثماني جعلتهم إيران يمجدون ضابطا “شروگي” من مدينة العمارة (ميسان) تحديدا اسمه عبدالوهاب الساعدي. يرفعون صوره كبطل وطني ومحرر لهم ولمدينتهم. (تستعمل كلمة شروگي لتوصيف الفقراء من سكان العشوائيات).

إحراق مدن كبيرة وتشريد أهلها بسبب جدل سياسي يتلبس بلبوس المذاهب

لماذا نسميهم شعوبيين؟ الفرس دخلوا الإسلام وفتحوا القرآن على الآية “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” فقالوا حسنا نحن الشعوب وأنتم القبائل تشرفنا بمعرفتكم. نحتاج ثقافة قوية لمواجهة المكر الإيراني. نحتاج عقلانية علمانية عربية وليس هذا السعي بين داعش السلفية والصوفية الغنوصية والخرافات والعنصرية القبلية.

عامة الناس في واد والصراع الحقيقي بين الكبار في واد آخر. ليس من الناحية السياسية فقط بل من الناحية الثقافية. هل احترقت الموصل أم لا؟ ألا يقول ابن الموصل سيار الجميل إن الموصل هي هيروشيما العراق.

ويصرح هوشيار زيبارى بأن هناك 40 ألف قتيل من الموصل قضوا تحت الأنقاض بقنابل الحكومة الشيعية التي ترقص للنصر؟ هل هناك اليوم حرب في اليمن أم لا؟ ما الذي جاء بالفرس إلى اليمن؟ من الواضح أن القضية قضية مذاهب من وجهة نظر إيران.

فالشيعة الزيدية هناك وهم جميعا عرب أقحاح وقبائل ولكن من خلال المذهب الشيعي دخل الحوثيون ضمن مشروع إيراني، مثلهم مثل شيعة لبنان وحزب الله، والظاهر كما هو واضح ومن خلال تصريح لمستشار خامنئي حين قال إن بغداد عاصمة إيران في المستقبل أن هناك مشروعا لا نفهمه.

ما أصل هذا الكلام؟ هل أن رجلا بمنصب مستشار المرشد يتكلّم كلاما لا معنى له؟ بغداد قامت على أنقاض المدائن. حين استولى العرب على المدائن سنة 15 هجرية التي تبعد كيلومترات قليلة عن بغداد الحالية لم يدرك العرب بأنهم قد سيطروا على عاصمة الشرق التاريخية التي ورثت بابل لألفي سنة متواصلة وكان لا ينافسها حينها سوى القسطنطينية البيزنطية التي بقيت شامخة لثمانية قرون من سقوط المدائن حتى سقطت بيد العثمانيين (وليس العرب) بقيادة محمد الفاتح.

كانت المدائن رأس الجسر الوحيد صوب فارس وآسيا العليا والمركز الإداري للإمبراطورية الساسانية. والوطن الرئيسي للهجة الفهلوية القديمة، العاصمة المالية والعلمية لبلاد الشرق. كانت المدائن باب الأمجاد الفارسية في نظر الفاتحين العرب. وقرب المدائن القديمة المحترقة عاد سلمان الفارسي ليعيش بعد وفاة النبي وهناك قبره حاليا.

فهم التاريخ

لا تقل لي هذا تاريخ قديم. لتعرف شعور الجنرال قاسم سليماني وهو يتجول ببغداد ويقودها سياسيا عليك أن تتأكد من أنه زار المدائن وطاق كسرى وبكى عند قبر مواطنه سلمان الفارسي الذي تبناه النبي بحسب الروايات. كيف نهمل الماضي؟ وهناك حروب وصراع وملايين المشردين بسبب هذا الماضي أو على الأقل باسمه ثقافيا.

إن المحزن في الحرب الدموية الأهلية داخل العراق ليس أنه صاحب ثروة نفطية وبلد خصب لا يستحق شعبه هذا النوع من الحياة، بل المؤسف أن التنوع الثقافي فيه هو من النوع الفريد. المسيحية والسنة والشيعة روافد ذات قوة ثقافية كبيرة في العراق. والمؤسف أيضا هو فشل الشيعة لأن الجانب السياسي عندهم قد طغى على الجانب الثقافي.

عامة الناس في واد والصراع الحقيقي بين الكبار في واد آخر

لا أحد ينكر فضل الشيعة في التاريخ الإسلامي، لقد شكلوا الركن القوي للمعارضة والجدل والتفسير والتأويل للرموز. لم يكن أحد ليتجرأ على إغناء الثقافة الإسلامية ومعارضة التفسيرات الرسمية للعقيدة والحياة الروحية لولا مساهمتهم الضخمة في هذا المجال. نقطة ضعف الشيعة هو الطموح السياسي.

في العراق مثلا ضحّى الشيعة بفرصة حقيقية لبناء البلاد بسبب طموح سياسي كبير تقوده طهران لبسط النفوذ الشيعي في الشرق الأوسط. تم إهمال مساهمة الشيعة الحقيقية في الثقافة وفي التأويل والفكر والتنوع في الإسلام، وركزوا حين استلموا الحكم على الثأر والحروب والأحقاد وتهجير السنة وإبادتهم وهدم مدنهم.

الخطأ الذي وقع فيه السنة بالمقابل، واشتغلنا لسنوات على تصحيحه، هو الانزلاق للجدل المذهبي، وهو جدل لا طائل منه. فقد امتلأت المجلدات به منذ القرون الوسطى ولا فائدة منه إطلاقا. الصراع سياسي بالأساس وتحويله إلى مذهبي قد يقود الشيعة إلى الميليشيات إلا أنه سيقود السنة إلى داعش ولن نستفيد شيئا.

الاعتقاد بأن الدين أفضل من اللادين أو أن مذهبنا أفضل من مذهب آخر يعتبر زاوية ميتة في الجدل الثقافي. المذاهب الإسلامية لها جذور عميقة ولا يمكن اقتلاع ثقافة على حساب ثقافة. علاقة الفرس بالإسلام والتشيع مثلا تمتد عميقا إلى النبي ونشأة الإسلام ألم يقل النبي لصاحبه سلمان الفارسي “سلمان منا أهل البيت” يعني النبي ربط الفرس بأهل البيت أو على الأقل جذبهم إلى هذه القضية يعني “أهل البيت” والفرس قضية قديمة لا فائدة من الجدل فيها.

مع ظهور الإسلام كان هناك سلمان الفارسي وكان صاحب فكر وتنوع ثقافي وحتى النهاية كان للشعب الآري الإيراني المساهمة الأضخم في الحضارة الإسلامية؛ الفلسفة والأدب والعمران والعقائد والفقه والتصوف والطب والموسيقى والهندسة.

نحن لا نُنكر مساهمة الفرس الضخمة ولا أهمية المذهب الشيعي في الإسلام. الجدل في هذا لا يفيد ولكن التشيع مثل غيره من المذاهب فيه نزعات متطرفة فكريا وسياسيا كالقرامطة والنصيرية قديما وكالخمينية حديثا. لا تختلف هذه النزعات في جوهرها عن التطرف الداعشي السني. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي حكاية كهذه. حتى الآن تم إحراق مدن سنية كبيرة وتشريد أهلها بسبب جدل سياسي يتلبس بلبوس المذاهب.

هناك ضرورة إلى دعوة مخلصة إلى فكر نقدي علماني عراقي يستفز حاجة سنة العراق إلى عقل ولكنه يستفز أيضا ميول شيعة العراق المعروفة بالعلمانية والجدل ونبذ الالتزام العقائدي الديني. الاختلاف العراقي يكمن في الخرافات والاتفاق لن يكون إلا في العقل. قال ابن رشيق “العقل يقع على العقل” فلا توافق ممكنا بين المجانين والمغالين. لا غنوص ولا شيعة ولا تطرفا سلفيا ولا صوفية. الحل في العقلانية الغربية الرائعة ولا بديل عن المنطق العقلاني المعاصر.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر