الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

'الرأي والرأي الآخر' شعار اختراق سيكولوجية المشاهد العربي

  • تبدو الجزيرة “منصة إعلامية ناجحة” غير أنها تصنف كمنصة سياسية بامتياز ومنصة استخبارية تخدم أجندات القائمين عليها الذين لا يسعون إلى تغطية الأحداث التي تعصف بالمنطقة العربية بل المشاركة في صنعها.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/07/31، العدد: 10708، ص(18)]

البحث عن فتنة

لا تمثل قناة الجزيرة القطرية التي تأسست عام 1996، مجرد قناة فضائية عربية تلبي حاجات معلوماتية، وخدمات إخبارية، إنما جاءت بأجندات غريبة وجريئة معا خارج المتعارف عليه في المنطقة، مستخدمة في ذلك أسلوبا حرفيا عاليا استديوهات ضخمة وتقنيات متطورة.

كما عمد القائمون على القناة إلى نشر مكاتبها في مختلف أنحاء العالم، معتمدين على نخبة من الإعلاميين المحترفين الذين قدموا لهم الدعم المالي اللازم الذي انعكس على كل نشاطاتها من حيث الجودة الفنية والتدريب والإعداد.

ويقول مراقبون إن الأهم في هذه النشأة الغامضة أنها اخترقت سيكولوجية المشاهد العربي وفهمت حاجاته ومتطلباته، فرفعت شعار “الرأي والرأي الآخر”، وصنعت كذبا ونفاقا لنفسها نموذجا لحرية الإعلام بقصد كسب الجمهور وإقناعه برسالتها، وتمرير مشروعها الخطير في المنطقة العربية وهو مشروع تخريب سياسي، وتشهير وافتراء بمنهج مراوغ يهدف إلى سحق الأمن وتدمير الاستقرار، وبث روح الفرقة والخصام بين الشعوب، والترويج لخطاب الإرهاب والعنف والكراهية، من خلال خط واضح وراسخ في الانتقائية للمواد التي تبثها، وللأشخاص الذين تقدمهم متحدثين أو معلقين أو أصحاب برامج.

وتصنف القناة بالإضافة إلى دورها كمنصة إعلامية بأنها منصة سياسية بامتياز ومنصة استخبارية تخدم أجندات من “زرعها” في المنطقة، لذلك لا تكتفي قناة الجزيرة بنقل الأخبار وإنما تهتم بصناعة الأحداث، ومن ثم توجيهها إلى الأهداف المرسومة من قبل مموليها، بمعنى أنها أصبحت منصة للأزمات وإدارتها بالأزمات السياسية، وتأزيمها في المنطقة، وتثوير الجمهور ضد حكامهم، وأداة لإسقاط الأنظمة، وبث الفرقة، والفتنة والاقتتال الداخلي، والخلافات الطائفية والمذهبية، ودق الأسافين.

وتتعمد برامج القناة في مرات عديدة إثارة القضايا الحساسة بهدف إيقاع الفتنة، وإشعال المعارك بين العرب، وبث بعض الأخبار الكاذبة بين فترة وأخرى لتفجير الصراعات بين الدول العربية، فلا تكاد تظهر بوادر أي خلاف بين دولتين عربيتين حتى تنفرد الجزيرة بتغطية إعلامية كبيرة له، وتنتقي نوعية من الضيوف من طرفي الخلاف تتميز بتطرفها وعلى الهواء مباشرة لتشتعل نيران ذلك الخلاف حتى يتحول إلى معركة إعلامية تبث على الهواء مباشرة، لتزيد من حدة ذلك الخلاف حتى يتحول إلى خصومة بين طرفيها، كأن الهدف ليس مجرد متابعة للحدث، بل المشاركة في صنعه!

وتعتبر قناة الجزيرة القطرية أول قناة على مستوى الوطن العربي تستضيف مسؤولين إسرائيليين لمناقشة القضية الفلسطينية، بل تعطي لهم الحق، ولمدة ساعات طويلة، بالاستفاضة والحديث بالأكاذيب التاريخية حول حقهم في الأراضي الفلسطينية، بل دأبت منذ ظهورها على فتح برامجها للمسؤولين والصحافيين والسّاسة، وقادة الجيش الإسرائيلي لتبرير جرائمهم للمواطن العربي ونشر أكاذيبهم بطريقة محترفة ومعدّة بدّقة.

ويؤكد مراقبون أنها بذلك ساعدت المحتل الصهيوني على اختراق جبهة المواطن ومدركاته الثقافية والنفسية وأسست منهجا إعلاميا للقنوات الأخرى لتتوسع قاعدة التطبيع الإعلامي، وينكسر الحاجز النفسي بين المتلقي العربي والإسرائيلي.

وتعتبر الجزيرة القناة الوحيدة في العالم التي كانت محل ثقّة تنظيم القاعدة والجماعات الأصولية، فقد انفردت القناة ببثّ تسجيلات وأشرطة لزعمائها، وأجرت العديد من المقابلات الحصرية معهم، كما سُمح لها بالتوغل في عالمهم، واستقصاء طريقة حياتهم، لتنقل لنا صورتهم واضحة من جبال تورا بورا حصريا دون أن تتمكن أي قناةٍ إعلامية من سرقة أضواء هذا السبق الصحافي.

الجزيرة القطرية أول قناة على مستوى الوطن العربي تستضيف مسؤولين إسرائيليين لمناقشة القضية الفلسطينية

وتعرف الجزيرة على نطاق واسع باحتفائها بالتفجيرات التي كانت تأخذ منحى طائفيا أو مذهبيا في العراق ومصر وسوريا، والمسارعة إلى بث بيانات لتنظيمات إرهابية تتبنى عمليات قتل وذبح وتفجير لمساجد ومراقد مقدسة ومعابد ومقابر الأولياء الصالحين.

والأغرب أنها دأبت على إطلاق مصطلح الجهاديين على تنظيمات مشبوهة مثل داعش والنصرة والقاعدة وبيت المقدس وجيش الإسلام، وغيرها المئات من التنظيمات التي تحمل مسميات إسلامية.

ويشرح مراقب أن القناة كانت بمثابة الأكسجين للإرهابيين، بمعنى أنها كانت منصة لنقل رسائلهم إلى الجمهور، بشكل يُعزّز ذرائع الإرهاب ويدعمه. ليس بداعٍ صحافي، لكن بشكل يُقدم خدمات للإرهاب.

يذكر أن الجزيرة القطرية أسست برنامجا نفسيا بمساعدة الدوائر السرية لإثارة الرعب والفزع من تنظيم داعش في نفوس المدنيين من أبناء المدن والمناطق المرتهنة تحت سطوته أو المهددة من قبله، من خلال الإيحاء بأن هذا التنظيم الإرهابي يمتلك إمكانيات وقدرات وخبرات عسكرية، وأن هزيمته في معركة ما لا تعني نهايته، بل إنه يمكن أن يستعيد قوته ويعوض خسائره في مواقع أخرى، وحتى تصوير النزعة الإجرامية لداعش، يمكن أن يراد منها إظهار قسوته المفرطة.

وتعتمد القناة أيضا أسلوب الجذب والتشويق، واللعب بعواطف المشاهد واستثارته من خلال التركيز على الأمور التي تعني المواطن العربي ودغدغة مشاعره مثل الحديث عن فساد الأنظمة ومحاربتها، معتمدة في ذلك على برامج المشاحنات والمجادلات وسب الحكام والأنظمة واستخدام العبارات والكلمات الإيحائية مثل “فضيحة”، “مقتل”، “معارض”، “سر”، “فساد”، “محاربة الأنظمة”، “اغتيال”، “تفجير” وغيرها.

ومن أكثر الجمل التي تهتم قناة الجزيرة بتسويقها في هذا السياق “تعرض مكتب الجزيرة للهجوم”، “تعرض الموقع لهجوم فيروس″، و”تعرض بث القناة للتشويش”، و”اعتقال مراسل الجزيرة”، ما أدّى إلى خداع المشاهد العربي البسيط.

ويقول مراقبون إنه لا علاقة لقناة الجزيرة بالمهنية، فهي مجرد أداة من أدوات الصراع، بحيث تلوح بالتهدئة الإعلامية مقابل الحصول على مكاسب، أي أنها باتت أداة ابتزاز سياسية، وليست قناة فضائية، لكن هذه الوسيلة قل تأثيرها الآن، بسبب انكشاف أمرها وابتعاد الجماهير عن متابعتها، خاصة مع ظهور قنوات تملك المهنية والمصداقية.

أستاذ بكلية الإعلام –جامعة عجمان

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر