الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

أي مخاض ينتظر تونس في 2019

تجربة الإسلاميين من خلال حكومة الترويكا لا تزال تمثل الدرس القاسي الذي يفترض أن يفكر فيه النهضويون قبل التفكير في الوصول إلى كرسي الرئاسة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2017/08/04، العدد: 10712، ص(9)]

يبدو أن راشد الغنوشي (76 عاما) زعيم حزب حركة النهضة التونسية قد حزم أمره، وقرر الترشح للانتخابات الرئاسية للعام 2019، كل المؤشرات على ذلك، حتى القيافة الجديدة وربطة العنق الزرقاء المنسجمة مع اللون المميز لحمامة الجناح التونسي من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

وبعد أكثر من أربعة عقود، سيكون أفضل منفذ لخروج الغنوشي من رئاسة حركة النهضة، هو حكم البلاد، خصوصا في ظل انهيار شبه تام لمنظومة العمل الحزبي والسياسي بالبلاد، باستثناء انضباط الإخوان الذي يشكل في حد ذاته دافعا للتكهن بأنهم قادرون على الزحف نحو سدة الرئاسة في قصر قرطاج، مستفيدين من غياب أي منافس فعلي لهم.

وحتى عندما رحب أغلب التونسيين ببوادر ظهور زعيم سياسي جديد هو رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد (42 عاما) الذي حظي بشعبية توصف بأنها جارفة نتيجة إعلانه الحرب على الفساد، وتجرؤه على عدد من الفاسدين والزج بهم في السجون أو تحديد إقامتهم، جاء الغنوشي ليطلب منه ترك منصبه إن كان يريد الترشح للانتخابات القادمة، في استعادة لما سبق أن عرفته البلاد في أوائل العام 2014 عندما تم تكليف حكومة كفاءات وطنية برئاسة المهدي جمعة، بإدارة شؤون البلاد وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، رغم أن الوقائع التي دفعت إلى ذلك، هي الاغتيالات السياسية والاضطرابات الأمنية والاحتجاجات الشعبية التي فرضت تنظيم حوار وطني قادته أربع منظمات غير حكومية هي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والمنظمة التونسية لحقوق الإنسان وعمادة المحامين، وبمشاركة أبرز الفعاليات السياسية، لينتهي بالمصادقة على دستور جديد وبإقرار تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تضمن شفافية ونزاهة الانتخابات.

وهاهو راشد الغنوشي يستعيد المشهد ذاته، رغم أن الظروف الحالية أفضل بكثير مما كانت عليه في العام 2014 خصوصا من الناحية الأمنية والاجتماعية، حيث يدعو رئيس الحكومة الحالية إلى الاستقالة من منصبه إذا كـان يطمح إلى الترشح لانتخابات 2019، وكأنه يجسّ نبض الرئيس الباجي قائد السبسي (91 عاما)، الذي يعتبره المراقبون عراب يوسف الشاهد والدافع به إلى المنافسة على صدارة المشهد، فاستقالة الشاهد ستعني حتما أنه سيترشح لمنصب لن ينافس عليه السبسي من جديد، أما عدم اتجاه الشاهد للترشح، فمعناه أن السبسي قد يتجه إلى خوض غمار المنافسة على فترة جديدة تجعل منه أكبر رؤساء العالم سنا.

تونس لن تخرج من مخاضاتها المتلاحقة، في ظل شبه قطيعة بين عامة الشعب والنخب السياسية تستغلها حركة النهضة في تفعيل مفهوم السمع والطاعة لدى منخرطيها، لتحقق لنفسها دورا فاعلا في السلطة

أما المثير للاستغراب فعلا، فهو ما يدور في الكواليس من أن بعض قيادات جناح نجل الرئيس السبسي، حافظ، من حزب حركة نداء تونس لا ترى مانعا في الدفع بالغنوشي إلى قصر قرطاج في حال عدم اتجاه السبسي الأب لترشيح نفسه، فتلك القيادات التي ارتبطت بعلاقات وطيدة بقطر وتركيا وفجر ليبيا وباتت تحتكم على مكاسب مهمة مادية ومعنوية، لا تخفي عداءها ليوسف الشاهد رغم أنه مرشحها لرئاسة الحكومة، كما أنها تبدو أكثر ميلا لتأمين نفسها ومصالحها تحت جناحيْ حمامة النهضة، بدل الارتقاء إلى مستوى التنافس السياسي معها.

ولن تمانع تلك القيادات الندائية من الاندفاع مع حركة النهضة لإجراء تحويرات في دستـور البلاد خـلال العام القـادم، سيكون من أولوياته الانتقال من النظام البرلماني الحالي إلى نظام رئاسي، ليجد الغنوشي نفسه في أواخر العام 2019 رئيسا للبلاد، وفق النموذج الذي بلغه مؤخرا صديقه وحليفه رجب طيب أردوغان في تركيا.

إن اتجاه الغنوشي للترشح للرئاسة التونسية سيطرح الكثير من الأسئلة الحارقة، خصوصا أن أول رئيس إخواني وهو محمد مـرسي أطيح بـه في ثورة شعبية بعد عام من بلوغه سدة حكم مصر تحت مظلة المرشد، كما أن حديث الغنوشي عن انتماء حزبه لما يسمى بـ“الإسلام الديمقراطي” لا يزال غير مقنع للتونسيين، فمواقف النهضة من الملفات الخارجية لا تزال مرتبطة بمواقف الإخـوان، سواء في ما يتعلق بالوضـع في ليبيا أو فلسطين أو مصر أو سوريا أو غيرها، وحتى حديث الغنوشي الأحـد الماضي عن “حصار” تتعـرض له قطـر، يعني أنـه يتبنى وجهة نظر الدوحة التي تدعي أنهـا محاصرة رغم أن لديها منافذ جوية وبحرية تعمل بكل حرية.

كما أن الإسلاميين أنفسهم لا يعترفون بديمقراطية في الإسلام، وإنما بالشورى التي تتبناها النهضة، ويقصى منها كل من يختلف عنها في الفكر والعقيدة، وأغلب من يتحدثون عن إسلام ديمقراطي إنما يستهدفـون مراكز القـرار السياسي في الغرب المستعد لابتـلاع طعم الوهم من صناعة الإخوان، وليس قواعد الإسلام السياسي في الدول العربية التي يدركون أنها قد تنتخب الإخوان ولكنها تستفتي السلفيين.

أضف إلى ذلك، أن الوضع المحلي بتناقضاته وصراعاته، لن يعرف الاستقرار في حال وصول شخصية متأدلجة إلى الحكم.

فالتونسيون أثبتوا أن لا أحد يمكن أن يحكمهم بمرجعية أيديولوجية سواء كانت يسارية أو يمينية، خاصة وأن تجربة الإسلاميين من خـلال حكومـة الترويكا لا تزال تمثّل الدرس القاسي الذي يفترض أن يفكر فيه النهضويون قبـل التفكير في الوصول إلى كرسي الرئاسة.

المؤكد حاليا أن تونس لن تخرج من مخاضاتها المتـلاحقة، خصـوصا في ظـل شبه قطيعة بين عامة الشعب والنخب السياسية، تستغلها حركـة النهضة في تفعيل مفهوم السمع والطاعة لدى منخرطيها، لتحقق لنفسها دورا فاعلا في السلطة اعتمادا على من لا يذهب لصناديق الاقتراع، أكثر من الاعتمـاد على ناخبيها، وقد يكون المخاض الأكبر هو الذي لم تعرفه البلاد بعد، وستجد نفسها أمامه في انتخابات العام 2019.

كاتب تونسي

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر