الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

المتوسط فضاء المعجزة الإنسانية وأرض الثقافات

علينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نتوجه بسهام النقد للأدوار السلبية للأوروبيين نحو العرب في الحقبة الأخيرة، وهو نقد ضروري أيضا، لكن ليس قبل تصفية الحساب النقدي مع الذات.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2017/08/06، العدد: 10714، ص(11)]

بلاغة النشيد الكوني (لوحة: ضياء العزاوي)

المتوسط، مرة أخرى؛ الجغرافيا وأبجديتها، التاريخ وأساطيره، الفكرة والحكاية والمغزى، وظلال المعنى في الصور والأشياء؛ تقتسمها في ما بينها ضفاف المتوسط، وتتألق بها أقوام كتبت بمغامراتها وأقدارها المبهجة والأليمة تاريخ البحيرة ليكون مركز الجاذبية في تاريخ العالم.

المتوسط أولا، والمتوسط في كل وقت بلغاته وأسمائه وزرقته العميقة. والسؤال لشاعر، بينما هو يعبر من ضفاف الشرق إلى ضفاف الغرب، ليس عمّا يجمع بين بشر ولغات وأقوام اقتسمت ضفاف البحيرة، وبمغامرتها اكتملت فكرة المركب الأقدم ليكون سفينة الناجين من الطوفان، ولكن عن الأسباب التي ظلت تهدد طفرة الفطرة في اللقاء الإنساني وعبقرية السفر بين الوجه وصورته في المرآة.

المتوسط، البرهة الأشد زرقة تحت سماء العالم، والمقطع الأكثر سحرا وبلاغة في النشيد الكوني.

لن يكون حدثاً عابراً وبلا تبعات أليمة أن تشيح ضفة في شمال المتوسط وجهها عن أختها في جنوب المتوسط، وأن تتفاوت الأقدار البشرية بين ساكني شرق البحيرة وساكني غربها على النحو الفادح الذي نراه في برهتنا الإنسانية الحاضرة.

لا قيامة لهذه البحيرة، إذ تتوهم نخبها الاقتصادية والسياسية والعسكرية قدرتها اللامحدودة على ابتكار قدر مستقبلي مخالف لما تريده الجغرافيا، ولما حلمت به أصوات الثقافة التي تفكرت بالبحيرة وضفافها بوصفها حديقة الجنس البشري الخلاق.

إن اليأس الحضاري وحده، إذ يطبق على الجماعة الإنسانية ويسلبها حب المغامرة وحب التعارف وحب الاكتشاف، هو ما يمكن أن يقفل الأفق ويحول دون قيام التواصل والتفاعل وتبادل الأفكار والخبرات بين البشر والثقافات، هنا وهناك، في جنبات الجغرافيا الطافحة بزهو الريادة في التاريخ؛ سرة العالم التي هي المتوسط.

***

لا مخرج للثقافة العربية ومجتمعاتها من عدمية الثنائيات الضدية، ومن التخبط الأعمى في فخاخ الأقنعة والمجازات والرموز التي تتسلح بها قراءات الخصومة المؤبدة والنزال القدري بين الأصوليات، إلا بالانفتاح على الأوسع، في المجال الجغرافي لألسنة المتوسط وقلوبه، وأبعد حتى من الجغرافيا المحيطة وثقافاتها المختلفة التي تعيش اليوم مجتمعة ورطة الروايات المتقاتلة.

وبالمقابل لا مناص أمام الثقافات الأقوى، حتى لا أقول المتسيدة، والتي كافحت نخبها المثقفة ضد أهواء القوة وأنانية التسيد والاستحواذ على الهويات الأخرى، من الإيمان بضرورة اللقاء والحوار والتفاعل بعيداً عن روح الاستعلائية وأهواء الهيمنة. ثمة مشترك أكبر من كل اختلاف، يمكن له أن يفتح النوافذ والأبواب على جاذبية الغريب المجنح بالدهشة والبهجة والمفعم بحب المغامرة وروح الاكتشاف.

من دون ذلك لا يرتسم المشهد المتوسطي ولا يكتمل معناه.

***

لا بد أن نعترف أن هناك حيرة وضياعا أصابا المتوسطيين على اختلاف ثقافاتهم وتعددها وتنوعها الذي هو بلا شك ثمرة تفاعل سبق في ما بينها، له محطاته وعلاماته عبر العصور. وحتى عندما تصمت الثقافات عن هذا التاريخ صمت المنكر وقوع التفاعل، وتؤثر أفكار القطيعة على أفكار الانفتاح، في تقوقع على الذات واستسلام منافق للأنا الحضارية بوصفها نقية وكلية الاكتمال، فإن أقاصيص المتوسط وسيره وآثاره تتحدى خطاب القطيعة بحقائق التواصل.

يجب أن نتفكر هنا، كم يبدو غريبا درب الآلام الشرقية وقد أخذت تحفر نفسها في مسار فاجع ها هو يحتل مساحة المشرق العربي كله، وخصوصا في الضفة الشرقية من المتوسط العظيم، الذي شهد القرنان التاسع عشر العشرون ظهور مدنه القديمة من تحت الأرض وقد نفض الآثاريون عنها غبار الأزمنة؛ ولكن ها هي تلك المدن العظيمة تدفن تحت الأرض ويدفن معها أهلها أحياء، كما حدث في الموصل (نينوى) العظيمة التي تعتبر من أوائل مدن التاريخ.

***

هناك لغات وأقوام تجد نفسها اليوم غريبة في ظل الواقعة العالمية المسماة الحرب على الإرهاب، حيث تتحول هذه الحرب إلى واقعة أمنية يبذل فيها من أصل ثروات الأمم، وعلى رأسهم العرب، على مذبح “معارك الأمن” أكثر مما يبذل في معارك الوعي. والقضية في عمقها العميق مسألة ثقافية تتعلق بنكوص فكري جماعي تقهقرت معه قطاعات كبيرة من المجتمعات نحو أرض الظلام محمولة على أجنحة الغيب وقد تحوّل “الدين” على أيدي المتلاعبين به من رادع أخلاقي إلى أيديولوجيا قاتلة، صار معها التدين عربة تنقل الشباب من مقاعدهم بين أهل الدنيا إلى مصارعهم على أبواب الآخرة.

هذا أمر يستدعي من الثقافة العربية حركة مراجعة تاريخية تقوم على نقد الأفكار والتجارب والوقائع بحرية حقيقية. فالمسألة في البيت وليست خارجه، ما يعني أن علينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نتوجه بسهام النقد للأدوار السلبية للأوروبيين نحو العرب في الحقبة الأخيرة، وهو نقد ضروري أيضا، لكن ليس قبل تصفية الحساب النقدي مع الذات.

شاعر من سوريا مقيم في لندن

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر