الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

هل تكسب السعودية شيعة العراق؟

السعودية تحركت نحو العراق بعد سعي إيران لتنظيم الميليشيات العراقية في أحزاب سياسية والزج بها في انتخابات السنة القادمة، أي أنها ستكون بمثابة حزب الله لبناني جديد على الحدود الشمالية للمملكة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/08/11، العدد: 10719، ص(8)]

وصل رئيس هيئة الأركان السعودي عبدالرحمن بن صالح البنيّان إلى بغداد الخميس 20 يوليو 2017 صحبة قائد القيادة المركزية الأميركية الوسطى جوزيف فوتيل. وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قد زار الرياض قبل ذلك بشهر، وهذه الأيام تشهد الرياض زيارات مكثفة من القادة العراقيين؛ بدأت بوزير الداخلية قاسم الأعرجي ثم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وهناك أنباء عن زيارة محتملة لعمار الحكيم وإياد علاوي. لا بد من أن تكون هذه اللقاءات تعني شيئا في غاية الأهمية يتعلق بمستقبل العراق.

السعودية من جهة أخرى تواجه تحديا مستمرا من طهران من خلال صواريخ بعيدة المدى مصدرها إيران يتم تهريبها إلى الحوثيين من ميناء الحديدة عبر البحر الأحمر ويطلقها الحوثيون على المملكة، وتوتر أمني في العوامية بالقطيف أسفر عن مقتل 5 أشخاص، إضافة إلى إعدام 14 شيعيا سعوديا بتهم إرهابية. ويا للمصادفة تقوم السفارة الإيرانية في الكويت بإطلاق سراح وتهريب 14 كويتيا من خلية العبدلي الإرهابية عبر الخليج نحو إيران، ومحاكمة معلمين سعوديين اثنين بتهمة التجسس لإيران على منشآت بترولية وطنية سعودية.

المحللون الأجانب يقولون إن السعودية تواجه ثلاث مشكلات؛ أولا حرب اليمن، ثانيا مشكلة قطر، ثالثا موضوع المواجهة مع طهران. كيف تدار هذه الأزمات والعراق البلد الكبير الجار على الحدود الشمالية عنده مليون محارب في الحشد الميليشياوي وخبرة قتالية عالية، وعنده ثروة نفطية فلكية، وفي نفس الوقت ليس حليفا لطهران وتحكمه حكومة شيعية مطلقة فقط، بل لديه حدود طولها 1300 كلم منبسطة ومعبدة مع إيران.

كانت المملكة تتردد لأن الثقافة العراقية نرجسية وفيها جاذبية وطنية. إيران ترتكب جرائم بحق سنة العراق ليس بشكل مباشر بل بأيادي عراقيين آخرين. ثم إن السعودية ترفض الانجرار إلى اللعبة الطائفية التي تريدها طهران، بل تريد مواجهة الخطر الإيراني ضمن جهودها في مكافحة الإرهاب والإسلام السياسي والطائفية. حاولت المملكة التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة دون الوقوع في فخ الصراع الطائفي. العراق هو القاعدة المركزية التي يتمركز فيها النفوذ الإيراني بالسلطة الناعمة والمسلحة لينتشر منه إلى سوريا وأفغانستان أو في البحرين واليمن ولبنان وغيرها.

ورغم أن إيران تعتمد الصراع المذهبي الذي يمتد في التاريخ القديم إلى ساعة وفاة النبي لكنه في الحقيقة صراع جيوسياسي الهدف منه تدمير السعودية. والنفوذ الإيراني في العراق اليوم ليس مجرد مصادفة بل هو اقتصادي وسياسي وثقافي أيضا.

المملكة تحركت نحو العراق بعد سعي إيران لتنظيم الميليشيات العراقية في أحزاب سياسية والزج بها في الانتخابات القادمة، أي أنها ستكون بمثابة حزب الله لبناني جديد على الحدود الشمالية للسعودية. إيران تحاول تعميم نموذجها في العراق.

لماذا تريد السعودية التقارب مع العراق ودعم رئيس الوزراء حيدر العبادي؟ هناك ثلاثة أسباب. أولا الرجل اختلف مع إيران وقطر معا، فقد صادر الفدية القطرية لإطلاق الصيادين القطريين المختطفين في أبريل الماضي وكانت 500 مليون يورو موضوعة بـ13 حقيبة على متن الطائرة القطرية التي نقلت وزير الخارجية القطري. العبادي رفض تسليم ميليشيا كتائب حزب الله المبلغ وقال كيف يمكن تسليم الميليشيات مبلغا بهذا الحجم؟ كان هذا الموقف تحديا شجاعا من الحكومة العراقية لميليشيا مسلحة مقربة من إيران.

ثانيا العبادي وقع اتفاقية مع شركة أمنية أميركية لحراسة الطريق الذي يربط بغداد بعمان، وهذا مخالف للإرادة الإيرانية. وثالثا أصرّ العبادي على عدم مغادرة القوات الأميركية بعد تحرير الموصل، لأن هذا يعني أن إيران ستملأ الفراغ. ثلاث خطوات عملية شجعت السعودية على التقارب مع العراق.

هوشيار زيباري أحد المستشارين الثقاة الذين نصحوا المملكة بدعم العبادي والتقارب مع العراق. فبعد فقدانه لمنصبه كوزير خارجية بسبب إيران، قال إنه حين التقى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالعبادي في سبتمبر الماضي بمقر الأمم المتحدة تدخل الرئيس الأميركي شخصيا للاحتفاظ به ولكن ذلك لم يكن كافيا أمام هيمنة إيران المطلقة على العراق.

العبادي في موقف حرج اليوم، فإذا ذهب بعيدا في التحالف مع أميركا والابتعاد عن إيران فإن ذلك يعني انتحارا سياسيا لمستقبله السياسي. وكما يقول عزت الشاهبندر في نهاية المطاف أمام العبادي خياران إما الأميركان وإما إيران، فلم يعد ممكنا الاحتفاظ بهما معا. من الواضح أنه ودون ثقل سعودي في العراق لا قدرة للعبادي على الابتعاد عن المشروع الإيراني.

العبادي يتذمر من الآثار المدمرة للحرب الطائفية في العراق التي خلقتها الثقافة الإيرانية، فإضافة إلى أضرارها على الأخوة الإنسانية بين المواطنين، هناك فاتورة كبيرة على الحكومة دفعها من مستقبل الأجيال.

قبل أيام زار السفير الأميركي مدينة الفلوجة ووجه تقريرا يحث على بناء البيوت المهدمة. والرمادي عاصمة المحافظة في حالة خراب، كان عدد سكانها 400 ألف، وقد تحتاج إلى 10 مليارات دولار كبداية لعودة الخدمات الأساسية. تقدر قيمة إعادة الخدمات البسيطة إلى الموصل بأكثر من مليار دولار، بينما تفوق تقديرات مجمل أعمال إعادة الإعمار في المدن المنكوبة مبلغ 100 مليار دولار. ودون مساعدات سعودية سيصعب على الحكومة العراقية الخلاص من المشروع الإيراني.

الحكومة العراقية عاجزة، فالشاحنات تأتي بالبضائع الإيرانية وتعود فارغة، بينما الباصات تذهب مليئة بالمتطوعين الشيعة إلى إيران للتدريب وتعود فارغة. الشباب يتطوعون في الميليشيات بسبب البطالة ويتم تدريبهم في معسكرات قرب طهران، حيث يقول لهم القادة في الحرس الثوري إن قتلة الإمام الحسين هم ذاتهم يقاتلون في سوريا والعراق ولبنان ويدربونهم على الانتقام المذهبي، ثم يتم نقلهم إلى سوريا حيث يقوم حزب الله اللبناني بقيادتهم في المعارك. الشباب العراقي يعاني البطالة فهو يتطوع لدى الميليشيات لأجل الراتب، والبعض الآخر منهم ينفق ما جمعه من مال في شراء المخدرات الإيرانية التي يغص بها العراق.

من شرق ديالى يمتد طريق الميليشيات لنقل السلاح والمسلحين لإدارة الحرب بالوكالة. الشاحنات المحملة باللبن والفواكه وأدوات البناء تأتي من إيران إلى العراق يوميا ولا تعود إليها إلا فارغة، ما يجعل العلاقة بين البلدين غير منطقية فالعراق يبدو مكبّا للبضائع الإيرانية والميليشيات وليس لديه ما يقدمه لإيران. وفيما عدا النفط فإن العراق يعتمد على إيران في كل شيء.

التهديد الإيراني للسعودية ولبنان وسوريا يبدأ بمحافظة ديالى مركز طريق البضائع والميليشيات، حيث عملت طهران منذ طرد داعش من هذه المحافظة عام 2014 على تأمين طريق السلاح إلى سوريا ولبنان. وبما أن ديالى مختلطة مذهبيا فمن الطبيعي أن يكون القمع المذهبي في هذه المحافظة أكبر من الخيال. اختطاف وتعذيب وتهجير وقتل. فرغم تحرير المدينة منذ زمن مازال سنة المدينة يملأون المخيمات ولم يُسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم.

الطريق الذي يبنيه قاسم سليماني من ديالى إلى سوريا، يهدف إلى نقل الزوار الإيرانيين إلى سامراء، وهذا يعني أن محافظتين سنيتين قد سقطتا جغرافيا في النفوذ الإيراني، إضافة إلى مد فروع من هناك إلى تلعفر والموصل لربطهما بإيران.

وتبقى القيمة الجغرافية الأكثر أهمية لديالى هي كونها الطريق الذي يربط إيران بسوريا ولبنان. سنة ديالى يقولون أميركا لا تحكم على الأرض بل تتعامل مع النظام السياسي العام في بغداد، بينما إيران تسيطر على كل المفاصل والتفاصيل.

الصراع السني الشيعي هو في الحقيقة سياسة إيرانية تركية. السعودية تبحث عن اختراق لهذه اللعبة التي لا تخدم العرب بل تخدم أردوغان وخامنئي والمملكة تمتلك كل مؤهلات النجاح.

لا تخشى السعودية من اندفاع سنة العراق نحو طهران إذا هي تقاربت مع شيعة العراق. فقد تم ضرب قطر ذراع الإخوان الإعلامية والداعم المعادي للسعودية وحليف تركيا، ثم إن إيران وسنة العراق بعد هدم الموصل أصبحا بمثابة قاتل وقتيل.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر