الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

قطر وحالة الإسقاط النفسي

قطر تدعم الإرهابيين وتمولهم وتؤويهم وتوفر لهم الغطاء السياسي والإعلامي، ثم تتهم من يلومها على ذلك بأنه هو من يحرض على الإرهاب والخراب وقطع الرقاب.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2017/08/11، العدد: 10719، ص(9)]

من الأمثال العربية المعروفة قولهم “رمتني بدائها وانسلت”، وهو مثل يضرب لمن يعيّر صاحبه بعيب هو فيه، فيلقي عيبه على الناس ويتهمهم به، ويُخرج نفسه من الموضوع.

كذلك قطر، تدمّر دولا وتسقط أنظمة وتمزّق مجتمعات وتسفك دماء الأبرياء بفبركاتها الإعلامية، ثم تدعي أنها ضحية لتلك الفبركات.

قطر تتدخل في شؤون الجار والشقيق، ثم تزعم أنها تتعرض للتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، وتنتهك سيادة الدول العربية من المحيط إلى الخليج، بما في ذلك سيادتها على أرضها التي باتت مفتوحة لكل الدخلاء والغرباء، ثم ترفع عقيرتها بالصياح متهمـة الآخرين بالعمـل على انتهاك سيادتها.

قطر تدعم الإرهابيين وتموّلهم وتؤويهم وتوفر لهم الغطاء السياسي والإعلامي، ثم تتهم من يلومها على ذلك بأنه هو مـن يحرّض على الإرهـاب والخراب وقطـع الرقاب.

قطر تفتح قلبها وذراعيها للإسرائيليين تلميعا وتطبيعا ووفاقا واتفاقا، ثم تلقي بذلك على كاهل أشقائها وجيرانها، متهمة إياهم بما تتنصل منه علنا وبما تفخر به سرّا.

وهذه الحالة القطرية تسمّى بالإسقاط النفسي في علم النفس التحليلي، وكان سيغموند فرويد مؤسس هذا العلم قد أشار إلى تلـك الحالة لأول مـرة في مقالة نشرها في العام 1894 وفسّرها على أنها حيلة دفاعية ينسب فيها الفرد عيوبه ورغباته العدوانية والإجرامية والتآمرية المحرّمة والمنبوذة إلى غيره حتى يبرّئ نفسه ويبعد الشبهات عنها.

فالكاذب يتهم معظم الناس بالكذب، واللص يتهم غيره باللصوصية، والخائن يتهم غيره بالخيانة.

إذ بمقتضى الإسقاط النفسي ينسب الشخص إلى غيره ميولا وأفكارا مستمدة من خبرته الذاتية يرفض الاعتراف بها لما تسببه من ألم وما تثيره من مشاعر الذنب، فالإسقاط بهذه المثابة هو وسيلة لإفراغ كبْت، أي أنه أسلوب لاستبعاد العناصر النفسية المؤلمة عن حيّز الشعور.

ويضيف سيغموند فرويد أن العناصر التي يتناولها الإسقاط يدركها الشخص ثانية بوصفها موضوعات خارجية منقطعة الصلة بالخبرة الذاتية الصادرة عنها أصلا، فالإدراك الداخلي يُلغى ويصل مضمونه إلى الشعور عوضا عنه في شكل إدراك صادر عن الخارج بعد أن يكون قد لحقه بعض التشويه.

قطر تفتح قلبها وذراعيها للإسرائيليين تلميعا وتطبيعا ووفاقا واتفاقا، ثم تلقي بذلك على كاهل أشقائها وجيرانها

والإسقاط قد يؤدي إلى عدوان مادي في صورة جرائم، فمثلا الموظف الذي يحمل مشاعر عدوانية نحو رئيسه قد يسقط هذه المشاعر عليه ويتصور أن رئيسه يكيد له ويتربّص به لكي يؤذيه ومن ثم يبادر بالهجوم والاعتداء عليه، وهكذا تدفع هذه الحيلة المضربين إلى نسبة ما في أنفسهم إلى النـاس والتعامل معهم على هـذا الأساس، ومن ثم يقومون بارتكاب جرائم فعلية.

ولا يختلف الأمر في الحالة القطرية التي يحكمها الفرد مدفوعا برغباته العدوانية المكبوتة وبمحاولة التملص من جرائمه عبر إسقاطها على الآخرين، كأن يتهم دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بالتحالف مع إسرائيل، في حين أنه من ارتبط منذ العام 1996 بعلاقات وطيدة مع تل أبيب، وجعل من تطبيعه معها أداة لاقتحام معبد اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لتوطيد صلاته بواشنطن، والحصول على رتبة وكيلها المفوض في الخليج والمنطقة العربية.

كما خرج مسؤولون قطريون للحديث عن تعرضهم لحملات دعائية معادية ولفبركات إعلامية مقصودة، في حين يدرك الجميع أن نظام الدوحة هو الذي طالما استعمل التضليل الإعلامي في الإساءة إلى الدول الخليجية والعربية، وقاد ما يسمّى ثورات الربيع العربي بجملة من الأكاذيب والأباطيل التي سيذكرها التاريخ كنماذج للبروباغندا السياسية التدميرية في ليبيا وسوريا ومصر واليمن وتونس خدمة لمشروع الإخوان المسلمين وحلفائهم.

وفي حين يعلم القاصي والداني أن قطر تعتمد على المرتزقة في كل مجالاتها الحيوية كالأمن والجيش والإعلام والرياضة، نجدها تتهم كل من يتخذ موقفا مناقضا لمواقفها بالارتزاق.

وهكذا فإن آلية الإسقاط هي آلية نفسية لا شعورية بحتة، وهي عملية هجوم لاشعوري يحمي بها الفرد نفسه عبر إلصاق عيوبه ونقائصه ورغباته المحرمة أو المستهجنة بالآخرين.

كما أن الإسقاط عملية لوم للآخرين على ما فشل هو فيه بسبب ما يضعونه أمامه من عقبات وما يوقعونه فيه من زلات أو أخطاء، فيقول الشخص في لاشعوره “أنا أكره شخصا ما ولكني أقول هو يكرهني، هنا أريد أن أخفف من إثمي ومشاعري الدفينة تجاه ذلك الشخص”.

ويقول علماء النفس إذا ما قارنا الإسقاط بالتبرير، وكلاهما حيل دفاعية يلجأ إليها الفرد، فإننا نجد أن الإسقاط عملية دفاع ضد الآخرين في الخارج.

أما التبرير فهو عملية كذب على النفس، ويضيف علماء النفس أن الإسقاط إذا كان قائما على شعور عنيف بالذنب أدى إلى حالة اضطراب البارانويا أو ما يصاحبه من هذيان وهلاوس، وفق دراسة البروفيسور كريم سهر، استشاري الصحة النفسية والباراسيكولوجي ورئيس المعهد الكندي للعلوم الصحية.

وكما أن الإسقاط النفسي حالة فردية، فإنها قد تكون حالة جماعية تعبّر عنها مواقف دولة أو نظام، كما هي الحالة الإسرائيلية حيث يرتكب الكيان الصهيوني أعتى أشكال إرهاب الدولة ثم يلقي التهمة على الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.

وفي الحالة القطرية عنـدما يمارس النظام كل أشكال التآمر على أشقائه وجيرانه وأمته ثم يزعم أنه ضحية للمؤامرات، تماما كما عبر عن ذلك المثل العربي “رمتني بدائها وانسلت”.

كاتب تونسي

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر