السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

مقتدى الصدر بين عاصمتين عربيتين الرياض وأبوظبي

السعودية تريد موطئ قدم في العراق. لا نستطيع أن ننصح السعودية بدعم السنة مباشرة، سيفسر هذا تفسيرا طائفيا بل الأفضل دعمهم من خلال الصدر.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/08/15، العدد: 10723، ص(8)]

خلال أقل من شهر زار مقتدى الصدر كلا من الرياض وأبوظبي. في الرياض وعدت السعودية باستثمارات ومشاريع اقتصادية في مناطق شيعية، ورحب الصدر من جهته بفتح قنصلية سعودية في النجف الأشرف. في أبريل الماضي صرح الصدر بأنه ينصح الرئيس بشار الأسد بالتنحي وتجنيب شعبه المزيد من إراقة الدماء.

يحتفظ الصدر بمسافة عن المشروع الإيراني، وهو زعيم عراقي له تأثير كبير في الأحياء الشيعية الفقيرة، وقد وجه بعد عودته من الرياض خطابا مؤثرا إلى أهالي الموصل يؤكد فيه على الأخوة الإنسانية والتعاطف مع شعب فيه 400 ألف مواطن يعيشون في المخيمات بعد هدم مدينتهم في معركة هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

مقتدى الصدر صار يحسن السياسة. لحيته صارت بيضاء ولم يعد ذلك الفتى الصغير العاطفي. لقد تراكمت عنده خبرة سياسية في فترة صعبة من تاريخ العراق. وتكريما لزيارته منحت السعودية 10 ملايين دولار كمساعدات للنازحين، وربما تدفع الإمارات مبلغا أكبر للنازحين وضحايا الحرب في الموصل وغيرها، وقد تعد أبوظبي بمشاريع مهمة مع العراق. وهذا كله إيجابي وفي مصلحة الناس.

الجنرال قاسم سليماني يقوم بتجريف محافظة ديالى ويعبد فيها طريقا نحو سوريا يطلق عليه طريق الشيعة إلى البحر المتوسط. ومن هذا الطريق تدخل الشاحنات الإيرانية محملة بالدجاج واللبن والإسمنت ومواد البناء وتعود فارغة.

كذلك الباصات تأتي من هذا الطريق محملة بالمتطوعين والميليشيات حيث يتم تدريبهم في إيران وتعود فارغة. التجار العراقيون يقولون إنهم يفضلون إيداع ثرواتهم في بنوك إيرانية بسبب التسهيلات التي قدمتها الحكومة الإيرانية. والبنوك العراقية تعمل كواجهة لشركات إيرانية تقوم بغسيل الأموال والوصول إلى الدولار الأميركي.

السؤال لمقتدى الصدر ماذا سنفعل في مواجهة مشروع قاسم سليماني وهو مشروع أكبر من العراق وفيه جيوش وميليشيات وتبعية اقتصادية وتجارية لإيران؟

هل لدى مقتدى مراسلات مع أميركا مباشرة أو غير مباشرة؟ فتصريحات مسؤوليهم مؤخرا كانت إيجابية حوله. هل عند الصدر تصور كيف يمكن التخفيف من تبعية العراق تجاريا لإيران؟

وهل جرى حديث عن تبادل تجاري عربي مع العراق؟ هل عند الصدر مشروع عابر للطائفية؟ لماذا لا يزج السنة في تياره ويستفيد منهم في مشروعه؟ طالما ميليشيات فيلق بدر وغيرها صارت تضم متطوعين سنة. وحتى حزب الدعوة فتح مقرات في محافظات سنية. فلماذا لا يتقدم التيار الصدري ويفتح مقرات في المحافظات الغربية طالما خطابه وطني ويحظى بتأييد عربي؟

كشف مصدر مطلع في الساعات الماضية عن بدء الجيش الأميركي إنشاء أكبر قاعدة عسكرية في غرب مدينة الموصل للإشراف على الحدود العراقية السورية، وقطع يد الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية التابعة لطهران التي توغلت خلال الأشهر الماضية في المنطقة لتنفيذ المشروع الإيراني في فتح طريق بري بين طهران ودمشق عبر الموصل والصحراء.

وذكر المتحدث باسم العشائر العربية في الموصل الشيخ مزاحم الحويت “نحن أبناء العشائر العربية طالبنا مسبقا عدة مرات بفتح قواعد للجيش الأميركي في مناطقنا لحمايتها من الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس”. هذا معناه هناك تنسيق وغطاء أميركي لتحركات مقتدى الصدر ومشروعه العربي.

ربما السعودية تنظر لمقتدى كما تنظر للإمام موسى الصدر. الحقيقة بعد ذهاب ثامر السبهان إلى العراق تكشفت أزمة حقيقية لدى صانع القرار، وهي أن إيران نجحت باستغلال غياب العرب وشكلت مزاجا عاما كارها لكل ما هو قادم من الجزيرة العربية. يتحدث دبلوماسي سعودي سابق ويقول “خطر إيران على العراق لا يتمثل في الوجود العسكري الحالي، بل في تأسيس جيل عراقي معاد لجواره الخليجي والعربي. الوقت لا يزال متاحا للتحرك”.

السعودية تنتظر من مقتدى بقاعدته الجماهيرية أن يسهم في تخفيف الاحتقان الطائفي فلا يمكن التحرك في بيئة ومزاج معاديين. وقد شهدنا المشاكل التي واجهت السبهان. مقتدى محظوظ باختيار السعودية له وأعتقد هذه فرصة ذهبية لو أحسن استغلالها وقدم نفسه كزعيم وطني.

بغض النظر عن وجهة نظرنا بمقتدى الصدر وتحصيله الدراسي، فالسعودية تنظر بعقل سياسي عملاق. الصدر قائد ناجح والدليل هو انضباط تياره له. قائد عنده قدرة على ضبط هذا العدد المليوني الهائل يعتبر قائدا ناجحا.

سنة العراق مثلا غير منضبطين عموما. ما نحتاجه في مشروعنا العربي موجود عند مقتدى الصدر. نحتاج إلى دعمه وتطويره ليس فقط بالمال والمستشارين وزج السنة بتياره، بل نوصله من خلال سفاراتنا العربية إلى واشنطن، نكون في ساعة الصفر ذراعه الإعلامية والدبلوماسية ضد إيران. صرح الصدر قبل فترة بأنه يتعرض لتهديد وربما يُقتل وتسرب أن الجنرال سليماني قد هدده بالقتل.

السعودية تريد موطئ قدم في العراق. نحن لا نستطيع أن ننصح السعودية بدعم السنة مباشرة، سيُفسر هذا تفسيرا طائفيا بل الأفضل دعمهم من خلال مقتدى الصدر. إذا قبض السني الدولار والمشاريع والفرص من يد مقتدى، فإنه لن يفسرها تفسيرا مذهبيا ولن يصبح متطرفا.

نحن بالنهاية مع المملكة في تفكيك التورط الطائفي والتطرف في المنطقة. والسنة عندهم مظالم وثارات، لا نريد تمكينهم للانتقام والثأر، هذا تصرف خطير. نحتاج الصدر ليساعدهم ويكون “وسيط خير” بحيث نداوي الجراح دون انتقام سني.

كل علاقة تنجح إذا كانت منطقية. الصدر عنده تيار مليوني هذا صحيح، والعرب عندهم السفارات التي تخاطب العالم وخبرة دبلوماسية عمرها مئة عام ومصالح بتريليونات الدولارات مع العالم وأقوى مؤسسات إعلامية عربية. وأرسخ مؤسسة دينية سنية يمكن استخدامها لزج السنة مع الصدر. إذن هي علاقة متكافئة؛ الصدر يخدم العرب في العراق، والعرب يخدمونه سياسيا.

أتمنى من مقتدى أن يفهم معنى دعم السعودية والعرب له. وأن يعرف حجم العرب الحقيقي وثقلهم ويقدر رغبتهم بالتحالف معه. أتمنى ألا يصغي للحمقى وخصوصا الحزب الإسلامي الإخواني في العراق فهؤلاء سيسعون لتخريب هذا المشروع بخبثهم وعلاقاتهم مع طهران وتركيا.

الخليجي أيام داعش كان يحمد رب العالمين أن بينه وبين سنة العراق جغرافيا بحر من الشيعة الذين كانوا بمثابة درع الجزيرة الخليجي من الدواعش. وسنة العراق يتفهمون هذه المشكلة التي جعلتهم غير صالحين للتمكين السياسي حتى بعد طرد داعش.

كل ما يطمحون إليه اليوم هو دفع الميليشيات والنفوذ الإيراني خارج مدنهم. المشروع الإيراني تبشيري مئة بالمئة وهو صعب جدا فكما يقول لورانس العرب “من السهل جعل إنسان ما أن يكون ملحدا، إلا أنه من الصعب تحويله إلى عقيدة أخرى”.

المشكلة التي تواجه الصدر ليست إيران فقط بل الإخوان في العراق فهم ماكرون ويشغلون مناصب رفيعة في الدولة وحلفاء طهران وعندهم ثروات طائلة. ليست مصادفة أن تكون عاصمتا داعش الرقة والموصل قريبتين جغرافيا من رجب طيب أردوغان والإخوان المسلمين. لهذا إن مكر الإخوان بالصدر لن يكون سهلا. أعتقد بأن مقتدى قد ذهب إلى أبوظبي بسبب خوفه من الإخوان المسلمين ومكرهم وسيطلب حماية ودعما سياسيا من دولة الإمارات العربية المتحدة.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر