الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

جدار الصورة

إذا كان 'جدار الصوت' هو المرحلة التي تنتقل فيها طائرة مباشرة من حالة ما قبل سرعة الصوت إلى ما يمكن تسميته بالمرحلة 'فوق الصوتية'، فجدار الصورة لن يقل درامية عنها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/08/18، العدد: 10726، ص(17)]

لماذا ينهمك الفنانون التشكيليون المعاصرون بتمويه ملامح الوجوه في اللوحات الشخصية؟ لم تعد لهذا السؤال أي قيمة اليوم، فالنظر إلى التمويه على أنه رد مباشر على فن التصوير الفوتوغرافي أو هو نوع من التشويه أو فعل انتقامي، أو وسيلة للفت النظر، لم يعد نافعا.

ربما تكمن الإجابة في مكان آخر، بالرغم من أن الهدف المنطقي، وتاريخيا، للوحة الذاتية أو تلك التي تصور شخصا آخر هو إلقاء الضوء على تفاصيل وجه الشخص أو على ما تكتنز به روحه من أسرار، فهذا لم يمنع أن ينحا هذا الفن بعيدا عن هذا الهاجس دون أن يخسر أهميته.

أصبح لهذا النمط من اللوحات هدف مُستحدث، وهو تمويه الملامح ومضاعفة غموض الشخص المرسوم لأجل تكريس “واقعية” جديدة لم يعد بالإمكان الإفلات منها، أساسها غربة الشخص عن الآخر لا سيما حينما يكون مجاورا له.

كما أن قوام هذا “التمويه” المُتعمد هو أيضا للإشارة إلى غربة الفرد عن ذاته، غربة ليس فيها أي أسى بقدر ما هي تمظهر لأسلوب عصري للحياة، أسلوب بات من الضروري التماهي معه كي تستمر الحياة بالشكل الذي باتت عليه.

قدمت الفنانة المعاصرة زييسي باورز معرضا فنيا تفاعليا أطلقت عليه عنوان “أنتي سيلفي”، أو” مُضاد الصور الشخصية الديجيتالية”، اعتمد المعرض على وقوف الزائرين أمام شاشات إلكترونية تشبه المرايا لرؤية ذواتهم، ولكن دون ملامح وجوههم التي غشتها عتمة وكأن صنعتها ممحاة ديجيتالية.

شابت العتمة ما يشبه ارتجاجات بصرية وتكسّرات ديجيتالية زادت من إغواء الصورة/اللاصورة، وأوقعت المُشاهد في قلق النظرة إلى وجهه العاري من ملامحه.

أرادت الفنانة عبر هذا العمل التفاعلي التأكيد أيضا على أن ما نبثه من صور شخصية على صفحات التواصل الاجتماعي، هو أشبه بتفريغ لحمولة حياتنا الشخصية دون أن نعي أو نهتم بما ستصبح أو كيف ستقيّم من قبل الآخرين/الغرباء وإن عرفناهم في حياتنا اليومية.

وهناك أيضا فنانة أميركية معاصرة أخرى اسمها فاليري هيغارتي قدمت لوحات ذاتية لأشخاص مختلفين بأسلوب فني لافت جدا، بدت فيه الوجوه وملامحها كأنها عبارة عن مادة بلاستيكية قيد الذوبان في شكل يصعب فيه التعرف على هوية الشخصيات المرسومة.

ومن الفنانين العرب المعاصرين الذين برعوا في تجسيد هذه الأفكار نذكر الفنان العراقي أياد القادحي في مجموعته التي أطلق عليها عنوان “أنا بغداد”.

وجوه متشابهة لا تختلف إلّا في الإضافات التي رسمها الفنان عليها من خربشات وأرقام وحروف، قصد الفنان أن بغداد تتألف من خليط من البشر، ولكن كلهم عراقيون، رسالة إيجابية، ولكن في ذلك ما يقلق، فقد جعل الفنان “الستائر” المُرخاة على الوجوه عناصر التميز الوحيدة.

ولعل أكثر من تعبر أعماله عن هذه النزعة في العالم العربي هو الفنان العراقي حليم الكريم في مجموعته الرائعة من اللوحات لأشخاص لا يمكن أن نتعرف على هويتهم بسبب خاصية الضبابية المُعتمدة.

يُذكر أن الفنان عاش فترة طويلة في لبنان، حيث اكتشف حبه للفوتوغرافيا، وجاءت ظروفه الحياتية القاهرة لا سيما اضطراره إلى الاختفاء في قعر هوة في صحراء العراق الجنوبية مدة تقارب الثلاث سنوات رفضا للمشاركة العسكرية في حرب الخليج، “اختفاء” وظفه الفنان ببراعة فنية وشعرية وتقنية لا يمكن الوقوف أمامها إلاّ بشغف كبير.

إذا كان “جدار الصوت” هو المرحلة التي تنتقل فيها طائرة مباشرة من حالة ما قبل سرعة الصوت إلى ما يمكن تسميته بالمرحلة “فوق الصوتية”، فجدار الصورة لن يقل درامية عنها، إنه المرحلة الخاطفة زمنيا التي تتلاشى فيها ملامحنا الشخصية إلى ما “فوق الصورية”، حيث “يُرى” دويّ هائل لجليد قابض لا يعرف معناه إلاّ من عايش اجتياحا كالاجتياح الإسرائيلي بطائراته الحربية لمدينة بيروت في فترة الثمانينات من القرن الفائت.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

:: اختيارات المحرر