السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

مقتدى الصدر يقود صحوة عروبية في العراق

نقطة ضعف العربي في المكان والمادة، إنه يعيش في لغة تشجعه دوما على الرحيل، التوق إلى الزوال عن مكانه وزمانه نحو الآخرة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/08/20، العدد: 10728، ص(4)]

الصدر يفشل خطط إيران

عاش العرب كالماء الجاري في الصحراء ولأنه لم تكن للبدوي مدينة فقد سكنوا بعضهم البعض. كان الإنسان وطن الإنسان، وهذا ينبوع القوة في عاطفة العرب الإنسانية. ولأن الصحراء خطرة فقد تعلموا كيف يعيشون يقظة الحواس، ولأنه لا يوجد بيت بالمعنى الحقيقي فقد كان وطنهم “اللغة”، لهذا أطلقوا على الشطر الشعري “بيتا” وكان الشعر ديوان العرب.

موجات من الهجرات العربية والتدافع حول الواحات وقرون من الحياة القاسية جعلتهم في النهاية يحملون الله معهم في داخلهم وبرفقتهم وفِي كل مكان. كان الله قريبا منهم والعربي لا يشعر بتناقض حتى عندما يقول إن معاناته هي مشيئة الله ولأن الله “بيت العربي” فقد حمله في اللغة العربية وجعل له “بيتا” هو بيت إبراهيم. وكان الحجيج بمثابة العاطفة العربية الأخيرة أو ما أطلق عليه أبوتمام “الراحة الكبرى” الحنين إلى “بيت” عتيق وأزلي.

لقد أبدع العربي في لغته وعذابه ومغامراته في التاريخ غير أنه فشل في تمجيده للتقشف والقسوة. فاحتقاره للحياة المادية مسألة جعلته جاهلا بفن العيش وغير قابل للتعلّم. احتقاره المبالغ فيه للحياة الدنيا جعله يخسر تفوقه الأول الذي انفجر مع الإسلام لصالح أقوام حضرية كالفرس مثلا. وحتى الأتراك الذين دخلوا كخدم وجنود لدى العرب تحولوا في النهاية إلى سادة عليهم. لخمسة قرون والتركي كان سيّدا على العربي.

نقطة ضعف العربي في المكان والمادة. إنه يعيش في لغة تشجعه دوما على الرحيل. التوق إلى الزوال عن مكانه وزمانه نحو الآخرة وهذا سبب غيابه التاريخي الطويل منذ القرون الوسطى. وعبر العصور كان العربي لا يصلح للاستعباد والرق، إنه يصلح للخداع الديني والحماسي في الحروب وهذا مقتله الأبدي.

لا يفهم الإيراني شخصية مقتدى الصدر. فكيف يمكن للشيعي العراقي أن يكون غادرا إلى هذه الدرجة؟ هذه حقيقة العربي فحين يزداد الذبح في بني قومه، تسقط الفكرة العقائدية وتشتعل العروق بمحبة النوع العربي. عاطفة قديمة كان السلاطين الأتراك أنفسهم يحذّرون منها في سياستهم. إن مقتدى الصدر هو بمثابة علي بن أبي طالب العربي وقد رفع سيفه ودرعه ودار بحصانه في مواجهة علي بن أبي طالب الفارسي.

تحركات الصدر الأخيرة وخطاباته ولقاؤه بقادة السياسة العربية في السعودية والإمارات العربية المتحدة فجرت أسئلة كبيرة متعلقة بمصير العراق. مقتدى الصدر هز تاريخ العراق الحديث

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الخميس الماضي إن وحدة من قوات الأمن ارتكبت “انتهاكات” بحق المدنيين خلال هجوم لطرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الموصل.

هذا الانقلاب العربي من قبل العبادي هو بسبب العاطفة الحقيقية التي خيّمت على العراق بسبب كلمات مقتدى الصدر. فالعربي دائما كان في قتال ولكنه يحارب بشرف. لم يعرف العربي النذالة في القتال إلا مع الأتراك والفرس. فخري باشا مثلا الذي أباد الأرمن كان يحارب ضد الملك فيصل لاحتلال الحجاز. تراجع فيصل بسبب المدفعية الألمانية التي يمتلكها الأتراك وكانت مجموعات من قبيلة بني علي اقتربت من القيادة التركية رافعة الراية البيضاء لتجنّب قراها الاقتحام والتدمير على عادات العرب في الحروب.

فقام فخري باشا قائد القوات التركية بخداعهم والفتك بهم. بعد أن توقفت قواته عن القصف والأعمال العدوانية أحاطت قواته بقرية “العوالي” ثم أمرها فجأة بأن تقتل وتذبح كل من فيها. وتم اغتصاب العربيات وقتل المئات من السكان وأُحرقت المنازل ثم أمر الباشا بإشعال النار في الأحياء والأموات. فقد كانت للباشا خبرة منذ مذابح الأرمن. إن ذلك النموذج البشع من الحروب شكل صدمة في الجزيرة العربية. فلأول مرة تُهتك حرمة النساء في الحرب.

مقتدى الصدر شعر بأن هذا النوع من الانتهاكات لا يمكن أن يكون إلا بعاطفة عرقية عنصرية، فلا يمكن للعربي أن يفعل بالعربي شيئا كهذا مهما كانت ضراوة الحرب. عاطفة هذا القائد الشيعي حين أصدر بيان محبة لأهل الموصل طوّقت العراق وجعلت الحكومة مضطرة إلى معاقبة القوات المنفلتة والميليشيات الوقحة على جرائمها.

الأتراك والفرس كانوا دائما يعتمدون في نفوذهما السياسي على الطائفية والتفرقة وزرع الفتن. ويمكن تأريخ أول موقف عربي ضد الإسلام السياسي للشريف حسين في الحرب العالمية الأولى حين طلب منه الأتراك الاستعداد لإعلان الجهاد ضد المسيحية، فقد أصرّ الأتراك حينها على أن الجهاد سيمتلك قيمة كبيرة إذا أعلنه شريف مكة واعتبر الشريف حسين تلك الدعوة سخيفة جدا. فتركيا حليفة لألمانيا المسيحية في الحرب فلماذا يعلن العرب الجهاد على قوات الحلفاء المسيحيين؟ وراسل الشريف حسين الإنكليز طلبا للمساعدة وكان ذلك أول موقف عربي ضد الإسلام السياسي.

منذ البداية لم يتمتع العرب بوضع مريح، فحتى بعد انطلاق حركة “تركيا الفتاة” والإطاحة بالسلطان العثماني من قبل حفنة من التنويريين الأتراك الذين زجوا بالسلطان عبدالحميد في السجن، ورغم أن الأتراك كانوا قوميين متحررين وأعلنوا شعار أن “تركيا للأتراك” بقي عدد كبير من القادة العرب مترددين، فهم لا يرون أي فائدة من محاربة الأتراك والانفصال بدويلات ممزّقة تابعة للدول الغربية بحكومات الانتداب أو بالتبعية لفرنسا وبريطانيا.

كانوا يفضلون أقاليم عربية للحكم الذاتي تابعة لتركيا وغير منفصلة بدول مستقلة. العرب كانوا خائفين، فبعد خمسة قرون من التبعية للأتراك فقدوا الثقة تماما بأنفسهم. لقد كان الأتراك يحكمون شعوبا كثيرة أكبرها المنطقة العربية. فهذا المربع العربي الحاد الأضلاع كان في الحقيقة بمساحة الهند، والمشكلة التي واجهت العرب حينها هي الاجتياح الفرنسي لشمال أفريقيا واحتلال الدول العربية بشكل استيطاني. لقد شعر أنور باشا القائد العام للقوات التركية حينها بالراحة وهو يستخدم فظاعات الفرنسيين بحق العرب كدليل على خيانة الغرب للمبادئ التنويرية التي يدّعيها وعلى العرب الخضوع للقيادة التركية.

العالم العربي هو اللغة العربية في النهاية

منذ البداية كان العرب في محنة فليس عندهم مثقفون يشرحون التفاصيل، حتى المدارس فيما بعد فضّلت الهروب إلى العصر الجاهلي أو إلى صدر الإسلام والعهود الذهبية متجاهلة التاريخ الحقيقي منذ العصر الوسيط. حيث قفز الأتراك والفرس على التاريخ العربي واجتاحوه بمواهبهم الإدارية والثقافية.

العالم العربي هو اللغة العربية في النهاية. هذا هو انتصارهم الثقافي الوحيد. وهذه اللغة تاريخيا هي العراق وسوريا واليمن وشبه الجزيرة العربية، فإذا العراق وسوريا واليمن موضع صراع مع إيران لا يبقى سوى شبه الجزيرة العربية مركزا سياسيا عربيا. وهو مركز يشعر بالحزن العميق ويعاني ذكريات مجيدة عن اندفاع العرب الثقافي والسياسي في التاريخ نحو الأبيض المتوسط.

اليوم نرى مجددا اندفاعا إيرانيا نحو المتوسط وانسحابا عربيا منظّما حتى من المسجد. لأن المسجد كقلعة سياسية قد سقط مؤخرا تحت هيمنة تركية بذراع الإخوان المسلمين، وعاد الصراع مجددا حول أهلية العربي على الاستقلال بنفسه. ولولا وجود السعودية كعبقرية سياسية لا يمكننا القول بوجود عقل سياسي عربي.

يبدو لي أن العراقيين كانوا منذ البداية موجودين في الثورة العربية ومع الشريف حسين ومع الإنكليز ضد الأتراك. شخصيات مثل نوري السعيد ومولود مخلص التكريتي كان لها حضور واضح في هذا المشروع، وقد استقر رأي بريطانيا في النهاية على أن ابن سعود رجل مناسب وأثبت كفاءة عالية في توحيد المملكة العربية السعودية وحظي باعتراف عالمي للعناية بالعتبات المقدسة.

قررت القنصلية البريطانية في جدة الوقوف على الحياد وسمح ابن سعود للشريف حسين بالمغادرة إلى العقبة ومنها إلى قبرص وعاد إلى الأردن بعد 6 سنوات فمرض ومات في المملكة الهاشمية وتم دفن قائد الثورة العربية الشريف حسين في القدس عام 1930.

المهم هنا أن العراقيين حصلوا على مكافأة، فبريطانيا ثمّنت للعراقيين جهودهم ومنحتهم فيصل الأول ملكا هاشميا معتبرا، ومنحت الأردن أخاه الملك عبداالله.

السؤال هو كيف فشل العراقيون في الاحتفاظ بأسرتهم الهاشمية بينما نجح الأردنيون؟ كيف باع الجنرال عبدالكريم قاسم ملكه وسيده وانقلب عليه وهذا ما فعله أيضا جمال عبدالناصر في مصر، إلا أن المصريين لم يذبحوا الخديوي وودعوا آخر ملك مصري من سلالة التنويري محمد علي باشا باحترام وتقدير.

إن حمى الضباط الدبابير في ذلك العصر كانت قضية لا تقاوم، وانتهينا اليوم إلى تمني الضباط بعد أن رأينا رجال الدين الطائفيين. فالجنرال العلماني أرحم من العمامة. غير أن الشعوب التي احتفظت بملوكها كالأردن والسعودية تعيش تاريخا معاصرا أفضل بكثير من تاريخ العراق المعاصر. المهم في هذه الأسر أنها كانت ضمانة للصداقة مع بريطانيا. ضمانة للحماية الغربية والتقارب والتعاون في نموذج مقبول.

عبدالكريم قاسم ذبح الأسرة الهاشمية المالكة وقدم رسالة للعالم الحر عن وحشية العراقيين، ولم يكن ذبحه هو على يد رفاقه فيما بعد مؤثرا على الصعيد العالمي، فهو مجرد ضابط انقلابي من أسرة متواضعة. كان ذبح أسرة هاشمية مالكة ذات تاريخ عريق بنسائها وأطفالها جريمة مروّعة جعلت العراقيين في مظهر محرج. وختمها العراقيون بشنقهم رئيسهم الإشكالي صدام حسين، وهو أيضا رئيس انقلابي من أصول متواضعة، لكنه اكتسب شهرة بسبب حروبه الكبيرة في المنطقة.

المهم أن العراق كانت عنده فرصة للاستقلال عربيا عن تركيا وإيران بوجود الأسرة الهاشمية العربية. ومع هذا فإيران وتركيا لا تحبان العراق، فالشريف حسين ذبح الكثير من الجنود الأتراك في الثورة العربية وكان ذلك بمساهمة ضباط وأعيان عراقيين من الشيعة والسنة، وإيران تعرضت للخراب بسبب صدام حسين.

اليوم يعود العراق إلى السؤال الأول؛ تركيا أم العروبة أم إيران؟ أعتقد أن تحركات مقتدى الصدر الأخيرة وخطاباته ولقاءه بقادة السياسة العربية في السعودية والإمارات العربية المتحدة فجّرت أسئلة كبيرة متعلقة بمصير العراق. مقتدى الصدر هز تاريخ العراق الحديث.

العراق كانت عنده فرصة للاستقلال عربيا عن تركيا وإيران بوجود الأسرة الهاشمية العربية، ومع هذا فإيران وتركيا لا تحبان العراق

ويلاه على عيون بناتي الأنباريات الجميلات في الصحراء وعلى جسر بزيبز. إعلامي عراقي ذكر لي أنه شاهد رجلا من الأنبار يحمل ابنته الرضيعة ويحاول الهرب من داعش إلى بغداد على جسر بزيبز فأذلّوه ومنعوه بكلام طائفي لأيام ففقد عقله وألقى بطفلته الرضيعة إلى الفرات. ويا لهف نفسي على أطفال الموصل في العراء. غير أننا اليوم نريد أن نرتق ولا نفتق، نداوي ولا نجرح. كلنا تورطنا وأخطأنا فإذا تحمسنا وبكينا نتورط، وإذا صبرنا وتعقلنا نتورط.

مواطن سعودي قال لي لقد تعقلت وتصبرت الآن ماذا عن ابن عمي الذي بكى على كتاباتك لأجل سنة العراق وقُتل في الليل برصاصة في الأنبار؟ أعد لي ابن عمي الفتى الصغير، السعودي صاحب القلب الكبير وهو يشعر جغرافيا وتاريخيا بمسؤولية عن العرب، هذه الرسالة من دكتور سعودي قبل أسبوع “قرأت مقالك الأخير عن النائبة الكويتية وأشكر لك حسن كلامك وملامك وجميل نطقك واحتجاجك ضد الكويت وبحق العراق يستحق منا كلام حب لا ملام وسب. الحق أنني في طيات المقال مررت على مواقف شعرت فيها بغصة في حلقي ودمعت عيني وبكيت حين مررت على أطفال الموصل ولولا ذلك لما أخذت الوقت للبحث عن إيميلك ومراسلتك فقد أثر فيّ المقال بحق. شكرا لك على ذلك المقال الحي”.

لهذا أقول كما يقول مقتدى الصدر اليوم “هلا هلا بالعراقيين، وهلا هلا بالسعوديين”. ولنساعد مقتدى الصدر على الخير، فأصعب مهمة على الضمير هي الكتابة للناس -وليس للسلطة- على كاتب مؤثر. وليسامحنا الله على دمعة سقطت على الملأ ولم نقدر على حبسها فأنبتت فتيانا غاضبين.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر