الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

هجرة العقول قضت على مراكز البحث العربية

الدول العربية الموفدة للأدمغة يجب أن تضع برامج وخططا للإيفاد تتناسب مع احتياجاتها ومشاريعها المستقبلية ومجالات الأعمال التي ستتاح للعقول التي ستعود بعد الدراسة.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/08/22، العدد: 10730، ص(17)]

لا جدال في أن الوطن العربي منذ زمن بعيد تعرّض لاستنزاف في طاقاته المادية والاقتصادية والاجتماعية، وهو استنزاف أضعف حركة المجتمع وديناميكيته، ومزق كياناته الاجتماعية والثقافية، وعطل تطوير العقل وتنمية العلم والإنسان. فهذا الاستنزاف لم يكن معزولاً عن التفكير الغيبي أو السلطوي الاستبدادي الذي تحكم في ثقافة المكان والزمان، وأدى إلى شيوع ثقافة اللامبالاة تجاه ظواهر الحياة. بمعنى أن خسارة المجتمع من جراء الاستنزاف المجتمعي، ما كانت لتحدث لولا تخلف مؤسسات المجتمع وركودها، وعدم فعاليتها في إدارة الأزمات بأنواعها، وابتكارها أساليب علمية لمواجهتها، واستشرافها للمستقبل.

باختصار هناك استنزاف ظاهر، وهناك استنزاف باطن، والأخطر هو أن يستنزف المجتمع اقتصاديّاً وعلميّاً من دون رؤية واضحة، ومعرفة دلالاتها ظاهرياً بسبب طبيعتها غير المنظورة وصعوبة تقدير حساباتها الاقتصادية المباشرة، فهي تنخر في الباطن، ولا تشعر المجتمعات بمخاطرها الاقتصادية، إلا عندما تصطدم الإرادات المتباينة أو تبدأ الرغبات بإيقاظ الحاجات.

تشير إحصاءات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية وبعض المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة إلى أن الوطن العربي يساهم بنسبة 31 بالمئة من هجرة الكفاءات، وأن نسبة 50 بالمئة من الأطباء و23 بالمئة من المهندسين، و15 بالمئة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يتوجهون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا، وأن نسبة 54 بالمئة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم. والأخطر، كما يقول خبير خليجي، أن تحدث هجرة الأدمغة إلى دول الرفاه والتقدم، من دول تعاني قلة عدد السكان من المواطنين بسبب عجزهم عن إيجاد عمل لهم، وهي التي يفد إليها عشرات الآلاف من كل أنحاء العالم للعمل فيها.

وإذا ما أردنا فتح ملفات نزيف الأدمغة العربية فإننا سنكون أمام إشكالية إستراتيجية وتنظيميّة وأكاديميّة وقانونيّة وإداريّة وماليّة وإعلاميّة، فمن الناحية الإستراتيجية فإن هجرة العقول تعتبر نزيفاً خطيراً غير منظور للمجتمعات العربية، حيث المعادلة الصعبة والمتناقضة بين رؤية تحديث المجتمع العربي، وهجرة العقول المتخصصة في أبرز الاختصاصات العلمية النادرة كالجراحات الدقيقة والطب النووي، والعلاج بالإشعاع، والهندسة الإلكترونية والميكرو إلكترونية، والهندسة النووية، وعلوم الليزر، وعلوم الفضاء، والهندسة الوراثية، والإدارة والكمبيوتر… إلخ، إضافة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية وتخصصاتها التقليدية والجديدة.

وباختصار هناك إستراتيجية لنموذجين من الهجرة: نموذج تقليدي، وهو الهجرة إلى الخارج. ونموذج معاصر، تبنته الشركات العابرة للحدود بإقامة مراكز بحوث وتطوير داخليا (الهجرة إلى الداخل)، واستثمار العقول العربية لمصلحتها السياسية والاقتصادية والمالية، من دون أن تكون للدول العربية فوائد علمية واقتصادية تخدم مجتمعاتها، بمعنى أنها أصبحت صورة للاستغلال وسلب القدرات والموارد الطبيعية والبشرية.

البلدان العربية بحاجة إلى قاعدة علمية للمعلومات يمكن للمخطط أن يستنير بها في خططه، وأن تكون هذه القاعدة منطلقا للباحث للخروج من مأزق بيئته المتخلفة في مجال المعلومات وتكنولوجيا العصر

إن هجرة العقول أضعفت المؤسسات العلمية والأكاديمية ومراكز البحث العلمي، وأصبحت الجامعات العربية تعاني خللا في ندرة التخصصات العلمية، وتدهوراً في البحث العلمي، حيث معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على 0.002 بالمئة سنويا من الدخل القومي، يقابله تخلف وعجز وتدهور تنموي واقتصادي، وإخفاق علمي وتكنولوجي، ومشكلات معيشية، وضعف مستوى الأجور والرواتب التي يتقاضاها الباحثون والعلماء. ولهذا السبب أدار أعمدة الفكر والثقافة في الوطن العربي ظهورهم للدولة والمجتمع، إما عن طريق البحث عن “فضائل العزلة” أو عن طريق البحث عن “فضائل الغربة”، في ظل غياب الرموز الحضارية والفكرية عن عقول صانع القرار السياسي.

قانونياً، إن الدول العربية بحاجة إلى وضع قوانين متطورة لجذب العقول المهاجرة، وإيقاف النزيف الاقتصادي الذي تتعرض له، وإيجاد تنسيق قانوني بينها وبين المؤسسات الدولية ذات العلاقة لحماية العقول العربية المهاجرة، وصونها من الاستغلال غير الإنساني للشركات الدولية عابرة الحدود.

أما إدارياً وتنظيمياً، فإن نزيف الهجرة يحتاج إلى خطة تنظيمية وإدارية لوقف الهجرة أو تنظيمها بالاتجاه الذي يؤدي إلى أن تكون فعالة في تطوير المجتمعات العربية، وليست عبئاً مضاعفاً على المشكلات الكثيرة التي يتعرض لها الوطن العربي. ما يعني أننا بحاجة إلى عملية تنظيم لهجرة العقول مرتبطة بحاجات المجتمع ومؤسساته، وإلى إدارة فعالة ومتطورة تستجيب لعملية التنظيم والتخطيط.

مالياً واستثمارياً، فإن الأقطار العربية تكبدت خسائر جسيمة جراء هجرة العقول بلغت أكثر من 300 مليار دولار في الوقت الحاضر، وهي خسارة غير منظورة في اقتصادات هذه البلدان.

ونعترف بأن هجرة العقول تؤدي إلى تأمين المليارات من العملة الصعبة في البلدان الأصلية للمهاجرين، وتحسين الوضع الاجتماعي للعائلات الفقيرة، إلا أن بعد هذه الكفاءات عن مواطنها الأصلية يعني أيضا توسع الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتأثيرها في المخططات التنموية العربية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

معلوماتياً، إن البلدان العربية بحاجة إلى قاعدة علمية للمعلومات يمكن للمخطط أن يستنير بها في خططه، وأن تكون هذه القاعدة منطلقا للباحث للخروج من مأزق بيئته المتخلفة في مجال المعلومات وتكنولوجيا العصر. كما للإعلام دور في تعزيز التوعية العربية بهذه الظاهرة، وأهمية العلوم والبحث العلمي، ورفع الثقة العربية بقدرات العلماء العرب ودورهم في النهوض بالمسيرة العلمية العربية من خلال تعريف المجتمع العربي بإنجازات هؤلاء العلماء العرب وعطائهم، وتكريمهم في وسائل الإعلام باعتبارهم النجوم الحقيقيين في المجتمع، وجعلهم قدوة للأجيال المقبلة.

إن هذه المشكلة تحتاج إلى دراسة الماضي والحاضر والمستقبل لخلق التناغم بين الأزمنة وربطها جدلياً، وهذا لا يتم إلا بتشجيع المؤسسات أو الشركات الوطنية (القطاع الخاص تحديدا) على إقامة مراكز بحث وتطوير محلية، أو مشاريع فكرية، أو التعاون مع الشركات العالمية العابرة للحدود على أساس المنفعة المتبادلة، وإنشاء مراكز لتسجيل براءات الاختراع التي تضمن حقوق المبدعين وحقوق الشركات الوطنية، وفي الوقت نفسه تضمن البلدان العربية حقوقها كدول منتجة للمبتكرات بدلاً من تسجيل المبتكرات باسم الشركات الدولية، وتعزيز التحديث الاقتصادي والتكنولوجي، وتنمية قدرات الموارد البشرية، وتطوير الهياكل الأساسية التعليمية المحلية.

من الضروري أيضا تشجيع الدول العربية على التعاون العلمي والبحثي مع المراكز الدولية الموجودة في أوروبا وأميركا، وتوقيع اتفاقات معها تضمن عودة العقول الموفدة للدراسة إلى أوطانهم، وأن تضع الدول العربية الموفدة برامج وخططاً للإيفاد تتناسب مع احتياجاتها ومشاريعها المستقبلية ومجالات الأعمال التي ستتاح للعقول التي ستعود بعد الدراسة، وتوفير البيئة العلمية للإبداع في ما يتعلق بمناخ البحث العلمي أو الإمكانات المادية من معامل ومختبرات وتمويل وغرف عمل بحثي، ووجود جماعة علمية محفزة على الإبداع العلمي، وتوفير الأجواء النفسية والمعيشية باعتبارها عوامل جذب أساسية، بالإضافة إلى دعم المشاريع الخاصة ذات الثقل العلمي والفكري من كل الجهات الدولية والوطنية التي وجدت أساساً لخدمة المجتمعات وتطويرها وتحديثها.

مختصر القول، إن نزيف الأدمغة العربية ما زال مستمرا بطريقة مرعبة، خاصة بعد كوارث المنطقة، ونزيف الهجرة من أوطان الحروب، لتبقى الأوطان في غرف الإنعاش بانتظار موت العالم!

أستاذ بكلية الإعلام جامعة عجمان

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر