الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

يحيا الموت

حرص الحكومات الإسبانية إلى حد اليوم على عدم فتح ملفات ما جرى في الحرب الأهلية، ولا تصفية تركة الانتهاكات، ومعرفة الحقيقة يبدو طبيعيا.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/08/23، العدد: 10731، ص(15)]

قد تصعق المطالع لوقائع الحرب الأهلية الإسبانية تلك الهالة التي أضفيت على البطولة الحربية القادرة على المضي حتى النهاية في التدمير والتصفية والانتقام، كان شعار “يحيا الموت” يتردد عند كل هجوم للكتائب الجمهورية والوطنية المتصارعة، وقد ضمت مغاربة متحمسين في الطرفين، لينتقل مفعوله تدريجيا إلى نسغ الرؤى، وليسكن مشاعر العيش ومكابدة الخراب.

ومنذ رواية كارمن لافوريت الطليعية التي حملت عنوان “لا شيء” (نادا)، وتبدأ أسطرها الأولى بوصول البطلة “أندريا” عبر القطار السريع إلى المحطة المركزية ببرشلونة، وحتى آخر روايات ماريا دوينياس عن الحرب الأهلية الإسبانية، يطل شعار “يحيا الموت” على مدارات الرغبة اللاعجة في الخلاص، ليس من الحياة حتما، وإنما من الوجود المنهك المحتقن بالضغينة ومن الوطن الذي بات لا يتسع لأبنائه والوافدين عليه.

لا يدرك كنه هذا الشعار إلاّ من خبر طبيعة الإسبان وثقافتهم، والشرخ الكبير الذي أصاب كيانهم القومي غداة الحرب الأهلية، حيث تشظت أنوية الأسر بين العقائد والانتماءات السياسية، وأضحت طاولة الطعام اليومية مرشحة في كل مرة لإشعال الحرائق بين الجالسين، وهو ما التقطه، بصيغ متباينة، عشرات الروائيين من رامون ساندر إلى خوان غويتيصولو، مرورا بفراسيسكو إيالا، وإيلينا كيروغا، وآخرين عديدين، تلك الثقافة نفسها التي تقدس تفاصيل الأناقة الرفيعة والعمارة الفخمة والأطعمة الشهية والكؤوس الرفيعة.

ولهذا يبدو طبيعيا حرص الحكومات الإسبانية إلى حد اليوم على عدم فتح ملفات ما جرى في الحرب الأهلية، ولا تصفية تركة الانتهاكات، ومعرفة الحقيقة، الأهم هو إخماد صوت “يحيا الموت” المضطرم في الصدور.

وفي رواية “لا شيء” لكارمن لافوليت، سالفة الذكر، تنزل البطلة بوسط برشلونة مثقلة بمشاعر الفقد المرزئة، غير بعيد عن ميدان راس رامبلاس، الذي عرف وقائع اجتياح السيارة المجنونة لأجساد العابرين المحتفلين بالحياة، ذلك الميدان نفسه الذي طالما احتضن مظاهرات المطالبين باستقلال كاتالونيا، ورفعت فيه شعارات غلاة المناهضين للملكية، وقد شهد على امتداد عقود مواجهات دامية مع قوات الأمن والنظام، ولم يكن الحادث الإجرامي هو الأول الذي تسيل فيه الدماء، كما لن يكون الأخير في عالم ركبه جنون التطرف وتمجيد الموت، وانتقام المستضعفين والهامشيين والمنتمين إلى جنوب فقير، وإلى مستعمرات سابقة، من عالم غني، وحضارة متفوقة.

أمر لا علاقة له باللغة أو العرق أو فصيلة الدم أو بالعقيدة، وإنما بالفوارق المتسعة يوما بعد يوم في فرص العيش بين الضفتين المتجاورتين اللتين اختار خوان غويتيصولو، أن يحيا ويموت في الضفة الأضعف، تلك التي ورث أبناؤها شعار “يحيا الموت“.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر