الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

البرامج السياسية الحوارية وصراع التهييج

تبدو البرامج الحوارية السائدة، محددة الأشكال والمضامين، تتباين أساليب وطرق صناعتها، ويسودها أحيانا ضعف الثقافة الخاصة والعامة لدى القائمين عليها.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/08/24، العدد: 10732، ص(18)]

مثلما تناسلت الفضائيات العراقية بعد عام 2003، تناسلت معها البرامج الحوارية، وتأسست نماذج مختلفة لها، وتنوعت طرق التقديم والحوار وتباينت الأساليب والتوجهات والولاءات، لتصبح أحد مصادر الرأي العام العراقي ورافدا لمسارات العملية السياسية وتعقيداتها المختلفة، بل إنها أصبحت مكتب علاقات عامة للأحزاب تروّج لبرامجها السياسية والإيقاع بخصومها من السياسيين وإسقاطهم سياسيا، ونشر الإشاعات السوداء.

لا يستطيع أحد إنكار أن مستويات القنوات العراقية شهدت تطورا وتراكم خبرة، وهي تتفاعل مع المتغيرات التقنية التي يشهدها عالم الميديا بتسارع كبير، وما تحدثه هذه البرامج من أثر وتغيير الوعي السياسي للمشاهد العراقي، وكذلك للعملية السياسية المريضة بالفساد والمحاصصة وجرثومة الطائفية، مثلما لا ننكر التطور الفني لهذه البرامج، وولادة أكثر من مقدم، وحيوية الحوار وتكنيكه، وحرية الرأي، لكن معظم هذه البرامج لا تخرج من عباءة بعض البرامج العربية الحوارية التي تعتمد على نماذج الإثارة، مثلما يفعل فيصل القاسم، المنفلت مهنيّا؛ للحصول على الإثارة الإعلامية، ونموذج (إشعال الحرائق)، واختيار الشخصيات ذات الطبيعة الانفعالية أو الاستعراضية التي تمارس سلسلة درامية من الفضائح السياسية والشخصية، بينما يشكو الكثير من متابعي تلك البرامج من أنهم وبدلا من الاستماع لمادة سياسية على مستوى عال من التحليل السياسي، يتفاجأون بأنهم أمام قناة تعرض لهم شتى أنواع التهريج والإثارة والتهييج بشكل فجّ ومقزز.

وتبدو البرامج الحوارية السائدة، محددة الأشكال والمضامين، تتباين أساليب وطرق صناعتها، ويسودها أحيانا ضعف الثقافة الخاصة والعامة لدى القائمين عليها؛ إذ يتبنون دور قاضي التحقيق وفرض سلطة الحديث بما يعسكر التوجه، ويصرّون على الظهور نجوما بما يصادر وجود الضيف ومحور النقاش، مع وجود الأجندات السياسية التي تصنع برامج جدل مسيّسة، ذات اتجاه واحد، يتجاهل آراء ومعتقدات الآخرين.

الشيء الآخر الملاحظ على برامجنا الحوارية السياسية أن عددا غير قليل من مقدميها لا يوفق في إجراء حوار مفيد وناضج يُغني المعرفةَ لدى المتلقي، حيث تراهم غالبا ما يقاطعون الضيف لأكثر من مرة. مما يتسبب هذا في إنتاج كلام مبتور وأفكار مشوّهة، لأن المقدم يحاول استعراض قدراته الحوارية والشخصية على حساب الفكرة المتكاملة والواضحة، بحجة ضيق الوقت فتُبترُ الجمل وتقطّع الأفكار، ويبقى احترام الضيف أولا والمشاهد المتابع شيئا ثانويا عند بعضهم بعيدا عن أصول الخطاب والحوار التلفزيوني. لكن الأخطر أن يفقد المقدم حرّيته المهنية، ويتحول بالكامل إلى منفذ لخط وتوجهات قناته، خاصة إذا كانت هي ضمن لعبة (الصفقات السياسية أو المادية)، كما يحدث فعلا في العراق.

ودون تحديد الأسماء، وما يدور في كواليس الفضائيات، فإن الحالة الإعلامية شهدت بروز أسماء قليلة لامعة، وأسماء كثيرة صنعتها الأحزاب وقنواتها، تفتقر إلى المهنية والحرفية والموضوعية، إضافة إلى خلل في الثقافة العامة، وضعف لغوي قاتل ومعرفة ناقصة بفنون الحوار الإعلامي وأخلاقياته.

شاهد القول، أن البيئة السياسية العراقية، وهي بيئة ملوثة بالفساد والطائفية، انعكست على توجهات القنوات الفضائية، وبالذات على البرامج الحوارية وكوادرها من المعدين والمقدمين، حيث تلوثوا بالصفقات السرية التي تجرى وراء الكواليس لتنتج لنا برامج هدّامة، يرتفع فيها منسوب الطائفية والعنف والكراهية إلى أعلى الدرجات.

بالمقابل، ينبغي الاعتراف أيضا، بأن هناك جمهورا عراقيا واعيا لدرجة كافية تمكنه من التمييز بين البرامج التي تقدم مواد تحليلية سياسية سواء تلك التي تخدم الحقيقة أو التي تشوّهها، لكن الكثير مع الأسف يميل إلى إعلام التهييج والتهريج، الذي هو إحدى نتائج التخلف الاجتماعي السائد بين عامة الناس. وهي صفات الشعبوية التي تلبي النزعات الانتقامية والتعويضية والتخريبية والتشويهية لدى المقهورين الباحثين عن فرجة تسلّيهم وعن ترفيه ينفّسون به عن إحباطاتهم. وهذا الإعلام الشعبوي سيظل سائدا ومحببا إلى الفئات المقهورة واليائسة، فجميعهم يريد للإعلام أن يكون فـرْجوِيّا وللسياسة أن تكون فضائح ترفيهية تقدم لهم ذرائع للتخريب وللتشويه ولممارسة العنف بكل أشكاله.

خلاصة القول، إننا أمام أزمة حقيقية بلعبة قذرة بين الإعلام والسياسة، وممارسات رجال الإعلام، لأننا اليوم بحاجة إلى برامج حوارية تلتزم بنموذج (إطفاء الحرائق) الذي يتسم باستضافة شخصيات معتدلة، ويميل إلى السيناريو التوثيقي والمنطق التحليلي الرصين والوثيقة الحاضرة والحوار الهادئ المقنع، بهدف رفع منسوب وعي الجمهور وتعميق ثقافة المواطنة والولاء للوطن الموحد.

أستاذ بكلية الإعلام –جامعة عجمان

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر