الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

فئران في المتاهة

هناك شيء غامض في ثقافتنا يجعلنا نتهرب من المانيوال ومن قراءته ونلجأ عوضا عن ذلك إلى طريقة الفأر في المتاهة وقطعة الجبن.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/08/29، العدد: 10737، ص(24)]

حين نشتري شيئا جديدا من تلفزيون إلى تليفون إلى كمبيوتر أو حتى ساعة نتسلم مع الجهاز كتيبا يفترض أن يعلمنا تشغيل الجهاز. الأجهزة هذه معقدة والكتيب الذي يسمونه “مانيوال” مختص بشرح ما غمض واستعصى من أمر جهازنا الجديد.

لكن هناك شيء غامض في ثقافتنا يجعلنا نتهرب من المانيوال ومن قراءته ونلجأ عوضا عن ذلك إلى طريقة الفأر في المتاهة وقطعة الجبن. لا بد أنكم رأيتم تجارب علمية يوضع بموجبها فأر أبيض في متاهة من العوارض والقواطع وهناك قطعة جبن في الجهة الثانية من المتاهة. الفأر يبدأ يركض ويرتطم ويحيد يمينا ويسارا ويرتطم ويتراجع ويتقدم إلى أن يصل إلى قطعة الجبن لا بالعقل ولكن بالشغف بالجبن. لا يحركه عقل ولا فلسفة ولا منهج بل مجرد الرغبة في بلوغ الهدف.

هذا منهجنا مع مشغل الدي في دي أو الهاتف الذكي مثلا: نكبس هذا الزر وذاك ونظل نلعب إلى أن نتوصل إلى تشغيله ولو بعد ساعات من العناء. كل هذا وكتيب التشغيل موضوع على طاولة قريبة ولا ينظر إليه أحد. أما السيطرة الكاملة على الجهاز والتعرف على كل فعالياته المتاحة فهذا هدف قد يتحقق بعد شهور.

أذكر مرة أني اشتريت دولاب ملابس مفككا إلى قطع لتسهيل حمله. كان معه كتيب يشرح كيف تركبه. لا أزال أذكر التعليمات لأنها أدهشتني. المادة الأولى من التعليمات الصارمة تقول “اجلس. ولا تقرأ هذه التعليمات واقفا”. كنت واقفا فعلا فامتثلت وجلست.

الملخص: الغالبية العظمى منا لا تقرأ التعليمات. وهناك من يسوق حججا وذرائع لتبرير هذا السلوك. يقولون إن كتب التعليمات ليست ضرورية والإنسان يهتدي بعقله وغريزته إلى ما هو صحيح. ويضربون مثلا بالمواليد الجدد. يقولون إن الطفل يولد ويخرج إلى هذا العالم لوحده ولا ينزل معه كتاب تعليمات التشغيل.

تأكدت من هذه النقطة بنفسي قبل أن أذيعها على القراء. سألت أهل الخبرة والاختصاص ومستشفيات الولادة، والجميع أكد أن الطفل ينزل لوحده وما معه أي كتاب وأن الأم تعرف كيفية “تشغيله” بالسليقة. شيء يشبه تعلم الحلاقة بالنسبة للأولاد؛ لا أحد يعلمهم لكنهم يحلقون.

كنت في مؤسسة عربية بلندن فيها شخص درس في بريطانيا منذ مراهقته. وكان الجميع ينظرون إليه على أنه من إحدى طوائف الجن. كلما يعطب جهاز يصلحه. سألته: هل تعلمت إصلاح كل هذه الأجهزة هنا في بريطانيا. قال “تعلمت في بريطانيا قراءة كتاب التشغيل”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر