الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

'إعادة الذاكرة'.. دراما خيال علمي بمعالجة بوليسية

  • الذاكرة شقاء آخر، أو متعة أخرى في استرجاع ما فات، وقد أصبح كل ذلك مادة في أفلام الخيال العلمي، حيث الغوص في أعماق اللاوعي والتوغل في أشد ذكريات الإنسان قتامة، خاصة تلك الذكريات القاسية، فضلا عن التوصل إلى ما هو مختزن في وعي ولاوعي الشخصية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/09/04، العدد: 10741، ص(16)]

عندما تتحول الذاكرة إلى شريحة رقمية

الخطوط المتشابكة والمدى الفسيح للذاكرة كانا ولا يزالان موضوعا ملفتا للنظر للخوض فيه سينمائيا من جوانبه النفسية/العقلية من جهة، ولعرضه على أنه مجموعة صور متتابعة افتراضية غير معلومة صدقيتها سوى أنها جزء من ماض مجهول، تكون ذاكرة الإنسان إما محته وإما احتفظت به من جهة أخرى.

وفق هذه المعطيات بنيت فكرة فيلم “إعادة الذاكرة” من إخراج الكندي مارك بالانسكي (إنتاج 2017)، والذي سيعرض في الصالات قريبا، وكان أحد الأفلام المبرمجة في مهرجان سندانس في دورته الأخيرة مطلع هذا العام، وحظي بتغطية من المجلات السينمائية المرموقة كـ”هوليوود ريبورتر” و”فرايتي” رغم الهنات التي يؤاخذ عليها، وهو ما سنأتي عليه لاحقا.

يقدم الفيلم شخصية العالم المحنك البروفيسور جوردون (الممثل مارتن دونوفان) الذي يتوصل إلى اختراع جهاز على درجة عالية من التطور ويستطيع التوصل إلى أبعد الأقبية في الذاكرة البشرية، ويقوم بتسجيل الذكريات المطمورة هناك، والتي يظن الإنسان أنها اختفت كليّا من ذاكرته، ويشتهر البروفيسور بمحاضراته وندواته وكشوفه ويجد الكثير من الناس ضالتهم في ذلك الإنجاز العبقري، حيث تتحول شحنة ذكرياتهم إلى مجرد شريحة رقمية زجاجية شفافة يقرأها الجهاز المعجزة الذي اخترعه وطوره البروفيسور.

بموازاة ذلك ومع بداية أحداث الفيلم نشهد حادث انقلاب سيارة تحمل شخصين ينجو أحدهما وهو المصمم المعماري سام بلوم (الممثل بيتر دنكلاج)، وهو من فئة قصار القامة، وسيقود سام أغلب الخطوط الدرامية في الفيلم منطلقا من هاجس مؤلم، وهو رغبته في معرفة آخر ما كان يردده شقيقه مغني الروك وهو يلفظ أنفاسه في تلك الحادثة المروّعة، وكذلك الحال مع شخصيات أخرى كلّ منها وجد في اختراع البروفيسور ضالته من جهة وشقاءه من جهة أخرى، فهناك من أقدمت على الانتحار بسبب ذلك الاختراع، لأنه كشف لها ذكريات مؤلمة وهناك من صار يعيش في عذاب متواصل بسبب ما كشفه الجهاز المعجزة، لكنّ الحدث الأهم هو مصرع البروفيسور نفسه في ظروف غامضة ما يدفع سام إلى تعقب أسباب موته.

على صعيد الحل البصري والمونتاج كان خليط الذكريات الكثيفة والمشوشة نقطة ارتكاز أساسية في الفيلم ومصدر جماليته

بمقتل البروفيسور يتأسس خط سردي آخر مواز وسلسلة حبكات ثانوية مع ظهور شخصيات جديدة في مسار الأحداث، كمثل العشيقة السريّة للبروفيسور وزوجته والمساعد الذي صمم معه الجهاز، ولكلّ منهم أسبابه في كُره البروفيسور أو حبّه في إطار دراما نفسية ومعالجة بوليسية.

ولعل مسار التحرّي البوليسي الذي انتقلت إليه قصة الفيلم، هو أحد الحلول المميزة التي لجأ إليها كاتب السيناريو مايك فوكادينوفيتش بمعية المخرج مارك بالانسكي، قوى الصراع الأساسية تتوزع ما بين الزوجة وشركاء البروفيسور في العمل وعشيقته، وبين هؤلاء جميعا سوف يتنقّل سام ممارسا بكل أريحية دور التحرّي حاملا الجهاز المعجزة لغرض الكشف عن القاتل.

وبموازاة ذلك تم الإغراق في التذكر؛ فبين الحين والآخر تسترجع إحدى الشخصيات ذكرياتها، فضلا عن الجهاز الذي يصبح وسيلة لكشف غموض مقتل البروفيسور الذي أضحى هو الآخر ضحية اكتشافه، فالبروفيسور عاش عذابات ذكريات شخصية بسبب علاقته السطحية بزوجته، وخلال ذلك سنتوقع أن تقوم الشرطة بما يوكل إليها من مهمة الكشف عن القاتل، لكن دورها بدا هامشيا وتركت المهمة لسام.

تميّز الفيلم بحوارات مطولة أكثر من اعتماده على عنصر الحركة، فضلا عن إيقاع خطّي لم يشهد تحوّلات حادة ولا مفاجآت ملفتة للنظر، مع أن تنوع الشخصيات وتعدد زوايا السرد كانا حلا مقنعا إلى حد كبير في سد هذه الثغرة، وهو ما أجمع عليه نقاد كتبوا عن الفيلم في المجلات التي أشرنا إليها من قبل.

على صعيد الحلّ البصري والمونتاج كان خليط الذكريات الكثيفة والمشوشة نقطة ارتكاز أساسية في المونتاج، إذ كانت مقاطع الفيديو التي هي بمثابة الذكريات بديلا مقنعا كانت خلاله الشخصيات تنقطع عن العالم المعيش إلى عالم آخر، وهنا يستخدم المونتاج أداة سواء للمضي في السرد والزمن الفيلمي أو للانتقال المكاني، إذ ما إن يتم زج تلك المقاطع حتى يقع انزياح زماني ومكاني وسردي تعيش فيه الشخصية أزمنتها وأماكنها الافتراضية، وهو ما أكثر منه المخرج وكان عنصرا جماليا إضافيا في الفيلم.

من جهة أخرى كانت ملامسة الأحداث التي مرّت بها الشخصية وعرض ذكرياتها ذات قيمة إضافية للمضي بالسرد الفيلمي إلى نهاياته على أمل الكشف عن القاتل، لكن الشبهات التي حامت حول شريك البروفيسور أو عشيقته بدت غير مقنعة إلى حد كبير، فلم يتم التوغل أكثر في تعميق ثيمة الانتقام وكشفها وكشف دوافعها، بل كان هنالك مسار خطي تكاثفت عليه أحداث في شكل ذكريات لا أكثر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر