الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الغناء والملك والثورة

من المؤكد أن الموهبة المتوهجة الفريدة يمكن أن تغفر الكثير مما يعتبره البعض “سقطات”، لكن أهل السياسة لا يغفرون ولا يتسامحون.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/09/06، العدد: 10743، ص(16)]

رغم حبي الكبير لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، الذي أكن إعجابا كبيرا بأغانيه الخالدة، خاصة القصائد التي لحنها لنفسه ولغيره ولا أجد ما يضاهيها في الغناء العربي حتى اليوم، كنت على قناعة في الماضي بأنه رجل رجعي، محافظ، معادٍ للتقدم الاجتماعي، خاصة أن صورته التي شاعت في فترة ما كانت تعتبره “مطرب الملوك والأمراء”، وتروج لفكرة أنه كان ينافق الملك فاروق قبل حركة ضباط يوليو 1952، وكان لذلك يستحق اللعنة والشجب والإدانة.

وتماشيا مع “الاستقامة السياسية” كان الرأي السائد بين أبناء جيلي الغاضبين الثائرين، أن عبدالوهاب مطرب رجعي، وكذلك عبدالحليم حافظ، بغض النظر عن إعجابنا بأغانيه الرومانسية، فقد اعتبر من الموالين للنظام الناصري الدكتاتوري الذي كان قائما، فقد كان يغني لانتصاراته الوهمية!

كنت أصدق الكاتب الصحافي صلاح عيسى عندما كان يكتب ساخرا، أن عبدالوهاب غنى أغنية “محلاها عيشة الفلاح” عندما كان الفلاحون في الريف يعانون من سيطرة الإقطاعيين وكبار ملاك الأراضي. وقد غنت ليلى مراد هذه الأغنية للمرة الأولى في فيلم “يوم سعيد” (1939) قبل أن يغنيها عبدالوهاب. وبدا الأمر عند أصدقائنا اليساريين وعلى رأسهم صلاح عيسى، أن عبدالوهاب أنشد أغنية “سياسية” تمتدح حياة الفلاحين في الريف وتغض الطرف عن ممارسات الإقطاع أو ربما تمتدحه، ويجب أن أعترف بأنني أصبحت من المعجبين موسيقيا -بل وسياسيا أيضا- بهذه “الطقطوقة” البديعة وأجدها واقعية جدا إذا ما قارنا بين حياة الفلاحين في الماضي وحياتهم في الحاضر!

كنا في السبعينات من القرن الماضي ونحن طلاب في الجامعة، نعتقد أن كل شيء يجب أن يكون مسيسا أو له معنى سياسي بما في ذلك أي عمل فني، وهي رؤية ساذجة سرعان ما ثبت خطؤها، بل ثبت أيضا أنه ليس من الممكن محاسبة الفنان كما نحاسب الزعيم السياسي، ومن المضحك أن بعض أصدقائنا اليساريين كانوا يعتبرون كبار المطربين مسؤولين عن هزيمة 1967، وهو مثلا رأي الشاعر الثوري أحمد فؤاد نجم الذي هجا بقسوة عبدالحليم حافظ وصلاح جاهين الذي كان يكتب له الأغاني (السياسية)، كما اتهم أم كلثوم بنفاق جميع الملوك والرؤساء، وسخر من عبدالوهاب، وجاء بعد ذلك المخرج الجزائري الأخضر حامينة ليحمّل السينما المصرية كلها مسؤولية هزيمة 1967!

من المؤكد أن الموهبة المتوهجة الفريدة يمكن أن تغفر الكثير مما يعتبره البعض “سقطات”، لكن أهل السياسة لا يغفرون ولا يتسامحون.

كان هناك بين ضباط يوليو 1952 مثلا من اقترح اعتقال عبدالوهاب ووضع أم كلثوم تحت الإقامة الجبرية بوصفهما من “القوى الرجعية”، واكتفوا وقتها بوقف إذاعة أغاني أم كلثوم، إلى أن ألغى عبدالناصر القرار، وكان من أشد المعجبين بصوتها، كما أعاد الاعتبار إلى عبدالوهاب وأصر على استدعائه للغناء مجددا أمامه في عيد الثورة عام 1954، رغم أن عبدالوهاب كان قد اعتزل الغناء أمام الجمهور.

ولكنه جاء وغنى “كل ده كان ليه” التي اعتبرتها على سبيل السخرية “أغنية في الهجاء السياسي”، فهل كان عبدالوهاب يقصد أن يقول لعبدالناصر “كان لدينا ملك كان يحب القمار والنساء ولم يكن بالتالي يستدعي القيام بثورة عسكرية مسلحة”، وهو ما ذكره نجيب محفوظ، في لقاء مصور مع بعثة التلفزيون الفرنسي في مطلع الألفية الثالثة!

وصحيح أن عبدالوهاب كان يتطلع للحصول على لقب “البكوية” الذي كان يمنحه الملك، لكنْ فاروق لم يكن يحب عبدالوهاب، بل كان يغار من جذبه للنساء الجميلات لمشاركته بطولات أفلامه، لذلك غنى عبدالوهاب أغنية “الفن” التي أثنى فيها على فاروق باعتباره راعيا للفنون، وبعد يوليو 52 منعت الأغنية وظلت ممنوعة حتى اليوم باستثناء المقطع الأول الذي لا يأتي فيه ذكر فاروق، لكن السياسة ظلت حتى اليوم تتدخل في الغناء، بل وفي الفنون عموما.

ناقد سينمائي مصري

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر