الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

'ما الذي حدث لمانداي' دراما عن سبع شخصيات تختفي لتعيش

  • انطلاقا من ثيمة المغامرة والخوض في المستقبل وإيجاد سرد مؤثر في المشاهد يمكننا النظر إلى أفلام الخيال العلمي، لا سيما منها المغرقة في الإبحار المستقبلي الافتراضي والتي تبقى في الغالب تدور حول ما ستؤول إليه الحياة في ظل واقع ديستوبي سواء ما بعد الحروب التي تطرحها تلك الأفلام بأنها سوف تطحن الكون، أو ما بعد الانهيار العظيم غير المسيطر عليه، أو ما بعد نفاد ما في الكوكب الأرضي من موارد تدفع البشر إلى الهاوية، ومع كل هذه الخطوط المتداخلة للدراما الديستوبية الشائعة في أفلام الخيال العلمي سوف نبحث عن معالجات تتميز برؤى وزوايا مختلفة عبر حلول في السيناريو والإخراج على مستوى من الرصانة والجدية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/09/11، العدد: 10748، ص(16)]

الحياة تستحق المراوغة

في فيلم “ما الذي حدث لمانداي” للمخرج تومي ويركولا (إنتاج 2017)، وهو فيلمه الروائي الطويل الثالث، هنالك معالجة فيلمية على درجة معقولة من الاختلاف والقدرة على الإدهاش وقيادة الأحداث المتصاعدة إلى النهاية ببراعة ملفتة للنظر ولو مع وجود بعض الهنات في البناء الدرامي.

وتدور قصة الفيلم افتراضيا في العام 2073 في واقع ديستوبي من جراء تنافس البشر على الموارد التي تبدأ بالتضاؤل مع التزايد المضطرد لتعداد السكان إلى درجة الانفجار الهائل من جراء الإنجاب غير المسيطر عليه، ولهذا تقرر الحكومة -التي يبدو أنها عالمية تتفرد بمصائر جميع البشرـ التحكم في الإنجاب إلى درجة أنه لا يجوز لأي أسرة أن تحتفظ بأكثر من طفل واحد، وما هو أكثر من ذلك تزعم الحكومة أنها سوف تختزنه للعصر المقبل، إلى أن تتوفر المزيد من الموارد الطبيعية، حيث يتم إخراج الأطفال المتجمدين إلى حياة سعيدة وجديدة، ولكن واقعيا يتم إحراقهم بعيدا عن أنظار عائلاتهم.

خلال هذه الأجواء تضع سيدة سبع مولودات ثم تلفظ أنفاسها ولهذا يجد تيرنس سيتمان (الممثل وليم ديفو) نفسه أمام مسؤولية أخذ حفيداته لرعايتهنّ بنفسه، متحديا المنع القانوني لإنجاب أكثر من طفل واحد، ولهذا يتولى تعليمهن بنفسه، وهو يخفيهنّ عن الأنظار وقد أطلق على كل واحدة منهن يوما من أيام الأسبوع، لكن الأبرز من بينهن هي مانداي (الممثلة نومي ريباس) وفي امتزاج مونتاجي/زمني نشهد الفتيات السبع وهنّ يكبرن ويدركن القدر المتحكم بهنّ، وهنّ مختبئات عبر السنين في شقة في أعلى إحدى البنايات، بينما مانداي هي الوحيدة التي تندمج في المجتمع وتتمكن من أن تصبح سيدة أعمال.

الفيلم يبرز الأداء المتميز للممثلة نومي ريباس، وهي تؤدي سبع شخصيات مختلفة لكل منها طبيعتها وأهواؤها

تتصاعد الدراما الفيلمية وتتشابك خطوط السرد مع اكتشاف السلطات عن طريق وشاية ما أن الفتيات السبع يختبئن في مكان ما، وأنهنّ ارتكبن جريمة لا تغتفر في أخذ قوت أناس آخرين، لنصل إلى مواجهات عنيفة ننتقل بها إلى استخدام عنصر الحركة وتقنيات المونتاج والخدع البصرية مع مهارات تصوير واختيار للزوايا والأماكن تلفت النظر حقا.

في موازاة ذلك يبرز الأداء المتميز والمتقن للممثلة نومي ريباس، وهي تؤدي سبع شخصيات مختلفة لكل منها طبيعتها وأهواؤها ومميزاتها، وتبلغ ذروة الأداء عندما يتم اقتناص الفتيات الواحدة بعد الأخرى بعد صراع شرس ومرير، ينتهي بقتال شقيقتين للفوز باسم سيتمان والاندماج مع الحكومة الظالمة التي تشبه حكومة الأخ الأكبر تقودها نيكوليت سيمان (الممثلة جلين كلوز).

وفي إطار المعالجة الفيلمية المتميزة تم تعميق لعبة الاختباء والمطاردة من جهة، وتلبس الشخصيات السبع بلبوس بعضهنّ حتى لا تستطيع أحيانا التمييز بينهنّ، أضف إلى ذلك التعمق في بث الحبكات الثانوية التي أسهمت بقوة في إطلاق تلك الدراما الغرائبية التي أنتجت نوعا سرديا مختلفا عما هو سائد في أفلام الخيال العلمي.

هنالك آراء كثيرة قيلت في الفيلم في مواقع ومجلات مرموقة ومنها “هوليوود ريبورتر” و”فيراتي” و”الحافة” وموقع “اندي واير” وموقع الناقد روجر ايبيرت، وهي تجمع على عبقرية أداء الممثلة نومي ريباس في مقابل الاسترسال والترهل على صعيد الدراما، فضلا عن طابع فضفاض على صعيد السرد والحوار.

كل هذه الانتقادات لا يمكن أن تنال مما شاهدناه من درجة عالية من الاحتراف والعمق السردي الذي يجعل المشاهد أمام نوع من أفلام الخيال العلمي يجمع بين الإثارة والمغامرة والعنف، فضلا عن الرسائل السياسية المبطنة في إدانة النظام الشمولي القائم أيضا على فكرة الاستقواء ومراكز القوى والمال، بينما شرعة القتل مستمرة لم تتغير من زمن إلى آخر.

حشد المخرج تومي ويركولا وفريق السيناريو عناصر مهمة لإنضاج تلك الدراما الفيلمية ومنها الزج بالكثير من الشخصيات التي وإن أدت أدوارا ثانوية، فإنها أضافت تنويعا ملفتا للنظر على صعيد الأحداث كفريق المحققين ومنافس تيرنس سيتمان وأدريان (الممثل مروان كنزاري)، وفي موازاة ذلك التنويع في البناء المكاني وإن بدا الناس بحسب أحداث الفيلم لا يبرحون الشارع، فهنالك على الدوام ما يشبه المظاهرة إلاّ أن الفوارق الطبقية والفقراء والمهمشين وأحياءهم الخربة بقوا على حالهم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر