الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

مصادرة قومية

الكثير من تلك العناوين المتجاوزة تمثل في حال تبنيها مجددا من قبل مؤلف ما مدخلا للاختزال والمصادرة والتكييف النقدي غير المنزه عن سوء النية دائما.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/09/13، العدد: 10750، ص(15)]

اطلعت مؤخرا على عدد من الإصدارات التي تعدها هيئات حكومية عربية بصدد الفنون العربية، وراعني أنه في معظمها لم تكن تتخذ عناوين دقيقة وإنما تعتمد صيغا تعميمية من قبيل “الفن التشكيلي العربي المعاصر”، أو “الخط العربي” أو “النحت العربي”…، وتسعى جاهدة إلى وضع القارئ أمام تجليات الحركات الفنية المنتشرة في العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، في علاقتها بتراث التجريد الذي طبع الفن الإسلامي، مع التركيز على أقطار بعينها هي عادة لبنان ومصر والعراق والأردن، بينما تمر مرور الكرام (أو غير الكرام بالأحرى) على حركات تشكيلية أساسية في المشهد التشكيلي العربي اليوم، في السودان والمغرب وبعض بلدان الخليج.

ويبدو أن هذه العينة من الكتب قد رسخت قناعة قديمة بداخلي حيث لم أعد أتوقع خيرا منذ سنوات طويلة من العناوين النقدية والتاريخية التي تعالج ظاهرة ما في سياق ضبابي اسمه “العالم العربي”، ليس فقط لأن هذا الكيان تشظى على نحو عميق، بعد سنوات من الحروب والصراعات الداخلية في الكثير من الأقطار العربية، ولا لأن مفهوم “العروبة” أضحى مدنسا بعد عقود من الاستثمار العقائدي له من قبل أنظمة فاشية، ولكن لأن السياق العربي صار فعلا كيانا معقدا حافلا بالتباينات الفكرية واللغوية والعقائدية، على الأقل منذ مطلع الألفية الجديدة، بحيث لم يعد بالإمكان اليوم أن نتحدث إلا بكثير من التجاوز عن شيء اسمه “الرواية العربية” أو “المسرح العربي” أو “النقد العربي”،… باعتبارها أعمالا كتبت باللغة العربية.

ما عدا ذلك فإن تباينات أسلوبية وجمالية وموضوعية كثيرة تنامت في هذا السياق اللغوي الموحد، لهذا بت أتفهم اليوم أن ينصرف عدد كبير من النقاد العرب، في أغلب ما يكتبون، إلى متابعة ما يجري في حدود المشهد الثقافي الذي ينتمون إليه، أو الذي يقيمون ضمنه، فيكتب المصري عن الرواية المصرية والمسرح المصري، والمغربي عن الإصدارات المغربية، وغيرهما عما يتلقونه في دائرتهم الضيقة.

والحق أنه من المرعب والمدهش معا اليوم، في ظل التشعب والتراكم الكبير في الآداب والفنون العربية أن تحمل كتب نقدية تصدر حديثا صيغا شبيهة بتلك التي كنا نتقبلها من جيل النهضة وما بعده من مثل: “تاريخ الأدب العربي” و”مناهج النقد العربي الحديث” و”تيارات المسرح العربي”… ليس فقط لأنه عمل مضن ويحتاج إلى جهود جماعة، وإنما لأنه أضحى بدون معنى، لدى قارئ لم يعد يفهم الرواية أو السينما أو التشكيل إلا في علاقتها بمحيطه الاجتماعي والثقافي القريب، ولهذا صارت الكثير من تلك العناوين المتجاوزة تمثل في حال تبنيها مجددا من قبل مؤلف ما مدخلا للاختزال والمصادرة والتكييف النقدي غير المنزه عن سوء النية دائما.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر