الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الزرقة واحدة والعالم شتات

  • تقدم الفنانة اللبنانية سارة بدر شميت في صالة “أجيال” بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا تجهيزيا بعنوان “كان يا مكان”، المعرض ينطلق من القصة الخرافية للكاتب هانس كريستيان أندرسن، فتحوّر الفنانة هذه القصة وتوظفها لتعبر عن أفكار تؤمن بها كالسلام العالمي والتعايش، والعمل مشغول بأسلوب شعري حساس لا يخلو من الطرافة ينتشر كنسمة لطيفة في حقل موبوء بالسمّ.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/09/15، العدد: 10752، ص(17)]

أفكار جدية ببناء متين

بيروت – غالبا ما يرافق معارض التجهيز الفني غموض مقصود أو غير مقصود ويحتم على الزائر محاولة الفهم العقيمة لما يشاهده، والأنكى من ذلك أن ثمة معارض تتباهى بجوّ الإبهام الذي تخلقه وكأنها تقول لزائر المعرض “أنت لا تفهم شيئا لأنك قليل الثقافة”.

معرض الفنانة اللبنانية سارة بدر شميت في صالة “أجيال” البيروتية لا ينطبق عليه هذا الوصف، أفكار جدية مطروحة ببناء متين وأساليب فنية عالية، ووضوح في ما تريد أن تقوله دون الوقوع في السذاجة أو المباشرة، ويرافق المعرض “مفتاح القراءة”، كُتيب يعطي للزائر أكثر من نقطة ارتكاز لاستيعاب المعرض.

في وسط الصالة تعيد الفنانة تركيب قصة “الأميرة الحقيقية وحبة البازيلا”، ولكن من وجهة نظرها، إذ تضع عدة طبقات من الفرش وفوقها تُمدد دمية بشكل أميرة.

في القصة الأصلية دكّت والدة الأمير حبة البازيلا بالسرّ تحت أكوام الفرش الموضوعة على سرير المُفترضة بأن تكون أميرة، فعلت ذلك لكي تتأكد من أن الأميرة حقيقية في حال استفاقت والألم الجسدي يكدّر صباحها.

“أميرة” سارة لها قصة مختلفة، فهي تعرف أمر حبة البازيلا، إذ وضعت فوق السرير الذي اختبأت تحته، وليس فوقه، وما حبة البازيلا هنا إلاّ حبة ضخمة رمزت إلى الخطر أو بالتحديد إلى تهديد قنبلة بلون أخضر.

الفنانة تعيد تركيب قصة "الأميرة الحقيقية وحبة البازيلا" فتضع عدة طبقات من الفرش وفوقها تمدد الدمية/الأميرة

يحيط بالسرير خمس شاشات صغيرة تظهر في كل واحدة صورة فوتوغرافية لقطعة سماء أخذتها الفنانة من عدة مناطق من بيروت معروفة بأكثرية طائفية معينة، فوق تلك المقتطعات كُتبت كلمة “سوا”، أي “سوية”، بذلك أرادت الفنانة أن تقول، سماؤكم واحدة وتعايشكم هو أجمل ما هنالك.

كما ألصقت سارة على إحدى جدران الصالة ما يشبه خارطة بيانية وعليها أشكال متفاوتة الأحجام والوضوح لحبة البازيلا/ القنبلة، وتشير تلك الخارطة إلى نسب العنف المتفاوت.

في الصالة أيضا شريط فيديو، وأمامه على الأرض مرآة تعكس السماء الموجودة في الفيديو، تطلب الفنانة عبره من اللبنانيين والبشرية جمعاء أن ينظروا إلى الأعلى، إلى السماء الواحدة والموحّدة بدل النظر إلى الاختلافات التي تسبب الحروب الدامية.

ولا شك أن بعض فصول الحرب اللبنانية التي عاشتها الفنانة في طفولتها لها تأثير مباشر على فكرة التجهيز الفني، تقول الفنانة إنها اعتقدت أن هذه الفترة من حياتها قد غارت في النسيان، لكن ذلك لم يكن صحيحا، خاصة عندما رأت الرعب في عيون أولادها.

غير أن معرضها قد يأخذ بعدا آخر قد لا تكون أرادته سارة عندما قدمته في بيروت العاصمة العربية وشبكت ما بين طيور الهجرة وحركة طيران حربي في فيلم فيديو، بشكل أعادت فيه ذاكرة المُشاهد اللبناني إلى كيف كان الطيران الإسرائيلي الحربي يجتاح السماء ليحول كل الطيور إلى “طيور مهاجرة”.

وقد يأخذ معرضها بعدا آخر أيضا، لأنها استقدمت من بين كل أعمال الفنانين الذين تناولوا الحلم والزرقة السماوية، عملا من أعمال الفنان مارك شاغال لتطعمه في شكل لقطات وامضة، تلك السماء الجاثية في المرآة الضئيلة، والموضوعة على أرض الصالة.

سماؤكم واحدة وتعايشكم هو أجمل

وشاغال معروف بخياله الطفولي في تصوير الكائنات السابحة في السماء الليلية ومشهور بتظهيره للتقاليد اليهودية، ولا سيما بعد دمار قريته في الحرب العالمية، وبحثه الشعري عن وطن بديل لقلبه المفطور، وربما كان المعرض مثيرا لبعض الجدل عندما ذكرت الفنانة أن فكرته جاءت كردة فعل على الهجمة التي تعرضت لها مجلة “شارلي إبدو”.

وربما جاء جانب من تقديم الفيلسوف الفرنسي باسكال بروكنور لمعرضها، هو الآخر مثيرا للجدل بعض الشيء، فالفيلسوف اعتبر أن القصة الأصلية هي في نقيض تام عن قصة سارة، والحقيقة أن سارة أظهرت مواطن القسوة والتعالي الموجودة في الرواية الأصلية، وإن قدمت في معرضها عالما بالغ الحساسية مبنيا على أفكارها المغسولة بصفاء طفولي حيث الشر هو في كفة والخير في كفة أخرى.

وإضافة إلى ذلك ثمة سذاجة في الربط المباشر الذي قدمه الفيلسوف ما بين “تأثرها بالحرب اللبنانية التي دمرت طفولتها” و”تأثرها الأعظم برؤية أشباح تلك الأزمات تلحق بأوروبا..”.

الهجوم مرفوض كليا، ولكن المرفوض أيضا كان تخطي حدود الحرية، كما فعلت المجلة، وفقا لما تكلم عنه أبو الوجودية الفرنسي جان بول سارتر حينما فرّق ما بين الحرية المسؤولة وتلك المُطلقة الهدّامة للمعنى ولهيكل الإنسانية، فشتان ما بين الاثنين. ربما لم يرد الفيلسوف الفرنسي بروكنر إقامة مقاربة جدية بين ما يمكن تسميته بالإرهاب الظاهري والإرهاب المخفي تحت بطانة السلم، وهو الأخطر، فجاء جزء من تقديمه تحريضا على التأويل، وهذا بالطبع أمر إيجابي جدا.

على الرغم من هدوء الزرقة التي تشمل المعرض، فهو كما القصص الخرافية الأصلية مفخخ بدهاليز شديدة العتمة، وتريد نصاعة الفنانة تقديم أفكارعن روعة التعايش البشري، حيث تُذكر بالفنان فنسنت فان غوغ حين قال “ليس هناك ما هو فني أكثر من أن نحب بعضنا البعض”، ولكن ما يرشح عن تجربة التعرض لهذا المعرض فهو في كلام الفيلسوف كيار غيغارد “هناك نوعان من خداع الذات، الأول هو أن نصدق الأوهام، أما الثاني فهو أن نرفض تصديق ما هو حقيقة”. والحقيقة حدثنا عنها طويلا تاريخ البشرية.

الحقيقة تكمن على الضفة الأخرى، لذلك تظهر الأعمال المعروضة كالقنابل المضيئة التي تخط مساراتها الانحنائية بشاعرية فنية، ولكن فقط لتسبق جولة أكثر توفيقا من العنف.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر