الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

على الحياد

الفن التشكيلي المعاصر المتورط 'عن بعد' بأزمات أوطانه هو تورط حيادي يريد أن يكون ناجيا إلى جانب كونه شهيدا.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/09/15، العدد: 10752، ص(17)]

نشر الفنان التشكيلي اللبناني ألفريد طرزي صورة لإحدى لوحاته الناطقة بتناقضات الحرب وآثارها، لوحة صوّر فيها الفنان، صبيا باسما ومنحنيّ الرأس، وهو مكوّن وملوّن كأنه بشاش أزرق اللون مُضاء من ذاته، صبي يجلس أمام طاولة وهو يتلهى بتشكيل خارطة ما لمدينة ما بعيدتان تشبهان عيدان كبريت أبيض غير قابل للاشتعال.

وراء الصبيّ ينسدل مشهد غامض كخرقة بنيّة اللون فيها آلاف الخروقات تظهر من خلفها أنوار تشبه كثيرا أنوار القنابل المضيئة في ظلام الليل، مشهد خلفيّ بسيط وتجريدي إلى أقصى حدّ يختصر مدينة حينما تكون الكهرباء مقطوعة، ورائحة البارود تختلط مع رائحة الصمت/ الصبر المتعفن، وعندما تكون البيوت مهجورة من أهلها الذين غادروها، أو هجروها أو نزلوا إلى الملاجئ.

أرفق ألفريد طرزي لوحته تلك بهذا القول المأثور للكاتب دانتي أليغياري، “أكثر الأمكنة ظلاما في جهنم هي مُعدّة للذين يحافظون على الحيادية أمام أزمات العالم الأخلاقية”.

ولكن كيف يمكننا نحن وصبيّ اللوحة ألا ندير ظهرنا إلى ما يحدث كمشهد عام مهما بلغ هوله ونحن في صلبه في الآن ذاته؟ وألا نكون كذلك حينما حدث، ويحدث لنا، لم يعد مع مرور السنوات أكثر من مجموعة مشاهد سوداوية ارتخت بصمت على كاهلنا مثل رداء ينبغي أن نرتديه خلال كل مواسم السنة، كما ينبغي علينا أن نتلقاه أو نتعلم فن تلقيه بأقل أضرار ممكنة؟

لعل الفن التشكيلي، ولا سيما الذي أنتجته ولا تزال منطقة شرق الأوسط هو شبيه بلوحة الفنان ألفريد طرزي وإن بهيئات وتعابير مختلفة أشد اختلافا. الفن التشكيلي المعاصر المتورط “عن بعد” بأزمات أوطانه هو تورط حيادي يريد أن يكون ناجيا إلى جانب كونه شهيدا، إنه نوع من أنواع الانكفاء إلى الجرح حتى يشفى من تلقاء ذاته، جرح وكأنه شكل من أشكال الهوية.

وليس الفنان ألفريد طرزي إلاّ من هؤلاء الفنانين الذين أبتكروا “حياديتهم” الخاصة جدا لأنهم اختاروا، أو تمرسوا على أن يكونوا مشاهدين/ شهداء لكل ما لم يستطيعوا أمامه شيئا سوى فعل المُشاهدة.

تحيلني تلك اللوحة بشكل خاص ومعظم الأعمال التشكيلية الحديثة والمعاصرة إلى مشهد واحد لا غير “تفرجت” عليه لمدة صيف كامل في الثمانينات من القرن الفائت، كنت حينذاك مشاهدة محايدة ويافعة جدا لا تفقه كما معظم أبناء جيلها حقيقة معنى وسبب وهدف ما تشاهد.

أما المشهد المعنيّ فكنت أصل إليه كل ليلة وخلسة عن الأهل نحو آخر الشرفة الطويلة في الدور الأخير من المبنى، هناك كانت السماء الليلية مفتوحة وتنبعث منها رائحة التهديد، سماء موصولة بالمدينة التي كنت لشدة عتمتها أكاد لا أتمكن من تحديد معالمها، معالم كانت تعود إلى “عاديتها” عند كل صباح.

وكانت هذه السماء مرصعة بنجوم مألوفة وأخرى غير منتظمة في ظهورها وهي القنابل المضيئة التي كانت تطلقها الطائرات الإسرائيلية كي تكشف بها، بل تعري بها عنوة مواطن القصف التالي في المدينة.

كنت أمام هذا المشهد أحتفل بنجاتي وأرثي في الآن ذاته موت وأحزان آخرين أشاركهم المدينة نفسها، مزيج قاتل: فرح وتأنيب ضمير.

لو كان الضوء يُشرب منه، لقلت أن عيني كانت تحاول أن “تشرب” ضوء القنابل المضيئة وفي ذات الوقت كانت تحاول أن تفهم فحوى العلاقة الدرامية ما بين النور والموت، وأن تستوعب معنى هذا الدافئ المتصل بالخوف.

هكذا كنت “حيادية” في قلب المشهد المعيش، كذلك كان ألفريد طرزي العابر في ذاكرة الحرب اللبنانية، وكذلك هم فنانو القنابل المضيئة الشرق أوسطية.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر