الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

'مكتوب يا حبي'.. تصوير شكلاني شبقي للمرأة الأوروبية

رغم جمال الكثير من لقطات المناظر الطبيعية على شاطئ البحر، فالمدهش أن المخرج التونسي عبداللطيف كشيش يركز الكاميرا طوال الوقت، على مواطن بعينها من أجساد الفتيات.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/09/17، العدد: 10754، ص(16)]

مرح الشباب على الشاطئ والبحث عن المتعة

بعد كل ما ثار من ضجيج حول فيلم “مكتوب يا حبي: الفصل الأول” للمخرج التونسي المقيم في فرنسا عبداللطيف كشيش، وبعد أن هدد ببيع تمثال جائزة “السعفة الذهبية” التي فاز بها عن فيلمه السابق “حياة أديل” (أو الأزرق أكثر الألوان دفئا) في مهرجان كان، في محاولة منه للفت الأنظار إلى فيلمه الجديد، جاء الفيلم أخيرا مكتملا وشاهدناه عندما عرض في مسابقة بمهرجان فينيسيا السينمائي.

عبداللطيف كشيش (57 سنة) مخرج موهوب لا شك في ذلك. وقد أثبت من خلال أفلامه السابقة الستة أنه يجيد التقاط التفاصيل في الواقع، ويقوم أسلوبه على اختراق المألوف وتحقيق الصدمة وتقديم صورة مغايرة للمهاجر العربي في فرنسا، كما يجيد التعامل مع الممثلين كونه بدأ ممثلا في فيلم المخرج الفرنسي من أصل جزائري مهدي شريف “الشاي في حريم أرشميدس” (1984). وهنا مكمن قوته وسبب ضعفه في آن.

إنه يحاول أن ينقل مشاعر الممثلين وأحاسيسهم، يخترق وجوههم، يريد الوصول إلى أرواحهم، مهما بدا أن الأرواح ترواغ وتناور وتتهرّب. وهو يحاول في فيلمه الجديد استعادة لعبته الشهيرة التي حققت شهرته، لكن الخدعة لم تعد تنطلي على أحد بعد أن فقدت سحرها وبراءتها وأصبحت مجرّد حيلة وصنعة. لذلك يفلت الإيقاع ويتحوّل الفيلم إلى مجموعة من المشاهد أو “الاسكتشات” التي تتخذ طابعا سطحيا وتصبح كادرات الفيلم صورا نمطية استهلاكية مثيرة، ويصبح الممثلون -وبوجه خاص الممثلات الشابات وهن أكثر ما تمتلئ بهن أفلام كشيش الأخيرة- مادة للنظر، للتحديق، بل وللاشتهاء. فهو يعرض ويستمر في العرض، يطيل النظر إلى كل التفاصيل الصغيرة ويعيد ويكرر ويتوقف مرة ثانية وثالثة أمام نفس اللقطة من نفس الزاوية بحيث يفقد الفيلم إيقاعه ويختل بناؤه ويئن من الترهل والثقل والبطء خاصة عندما يغيب “الموضوع”.

عودة إلى الماضي

في فيلمه الروائي الطويل الثالث “كسكسي بالسمك” (2007) الذي جعل اسمه مطروحا بقوة في أوساط السينما الفنية ابتعد كشيش عن المعالجة التقليدية لقضية العلاقة مع “الآخر”، واختار تصوير دراما عائلية تجمع الأجيال المختلفة للمهاجرين وأبنائهم وأصدقائهم، ترصد تناقضاتهم ومعاناتهم وكفاحهم من أجل التحقق في المجتمع الغريب بقيمه وتقاليده. كان كشيش يستخدم الكاميرا بحيث تصبح وسيلة للتلصّص. وكان يركز على الحوارات التلقائية الطويلة واللقطات القريبة “كلوز أب”، ويستخدم الحركة الأفقية للكاميرا (pan) في الانتقال بين وجوه الشخصيات مع المحافظة على تلقائية الأداء وانسجام الممثلين رغم تداخل الأصوات. وكان هذا الأسلوب وقتذاك مغامرة في التجريب.

كرر كشيش أسلوبه هذا بنجاح أكبر وبشكل محكم في فيلم “فينوس السوداء” (2010) الذي أعتبره أفضل أفلامه فقد كان لديه سيناريو جيد ومتماسك وبناء سينمائي رصين وشخصيات نابضة بالحياة وسياق للسرد مفهوم ومقنع وممتع أيضا، رغم قسوة ما تكشفه الصور من أنماط إنسانية صادمة. في “كسكسي بالسمك” و”فينوس السوداء” كان هناك “موضوع” ما. وفي السينما يجب أن يكون هناك موضوع، أي همّ وهاجس يشغل المخرج ويدفعه للتعبير عنه، ولو من خلال أكثر أشكال السرد تحررا.

تميز الفيلم بصور الطبيعة الجميلة

ويجب أن يكون هناك أيضا “سياق للسرد” وتداعيات ما للسلوكيات واستيعاب للشخصيات حتى في أكثر أشكال حركاتها فوضوية. والفارق كبير بين تصوير موقف ما له علاقة بالسياق العام الأشمل للفيلم، يمكن للمشاهد أن يراه في علاقته بباقي أجزاء الفيلم، وبين تصوير مواقف منفصلة تستدرج المخرج وتجذبه للوقوع في غرامها دون أن يكون هناك سياق فني، ففي هذه الحالة من الممكن أن تقتطع مشهدا ما من الفيلم دون أن يتأثر ومن دون أن يفقد المتفرج شيئا جوهريا في السياق، كما يمكن أن يستمر الفيلم إلى ما لا نهاية في عرض صوره ومشاهده المتفرقة. صحيح أنها يمكن أن تكون انعكاسا لحالة ما، لكن في الوقت نفسه هذا التصوير للحالة الإنسانية أو النفسية يجب أن يخضع لسياق فني، لنسق.

عيوب متكررة

هذه العيوب يعاني منها بوضوح فيلم “مكتوب يا حبي” حيث تتكرر الشخصيات وتتكرر حركاتها وانشغالاتها بصغائر الأمور، وتتكرر حواراتها التي لا تنتهي والتي تصل إلى الثرثرة الفارغة، وتتكرر الكلمات نفسها والمعاني التي هي أقرب ما يكون إلى النميمة والدوران حول الفكرة نفسها مرات ومرات بدعوى “الواقعية” أو التعبير التلقائي عن “مشاعر الشباب”، ويشعر المتفرج أن الفيلم يمكن أن ينتهي في أي لحظة دون أن يفقد شيئا.

يبدأ كشيش فيلمه بمشهد يستغرق أكثر من 10 دقائق لشاب تونسي من أبناء المهاجرين هو “توني” (سليم كيشوش) يمارس الجنس مع فتاة فرنسية هي “أوفيلي” (أوفيلي بو) في منزلها الكائن في قرية ساحلية في جنوب فرنسا. تقنية إخراج المشهد وزوايا تصويره وتركيز الكاميرا على مناطق معينة في الفراش لجسد الفتاة وتكرار اللقطات من نفس الزوايا مرة بعد أخرى هي حرفيا تقنية تصوير الأفلام الجنسية. والأمر ليس فقط مرهونا بتقنية تصوير المشهد فقط بل بغياب المغزى والهدف والدور العضوي داخل السياق السينمائي لهذا لمشهد، فيمكن التعبير عن وجود علاقة حميمية بين توني وأوفيلي بطريقة أكثر فنية من هذه طريقة إلا لو كان هدف المخرج الإثارة والصدمة.

يأتي شاب تونسي وديع خجول يدعى “أمين” (شاهين بومدين) صديق قديم لأوفيلي، وفي الوقت نفسه، ابن عم توني، يطرق باب أوفيلي وهي في علاقتها الحميمية. تفتح له بينما يقفز توني من الشباك كونه لا يعرف من الذي جاء فجأة، فالفتاة كما سنعرف مخطوبة منذ خمس سنوات، وخطيبها غائب في باريس. أما أمين فقد عاد لتوّه من تونس التي قضى فيها عطلة بعد أن قرر التوقف عن دراسة الطب في باريس ويريد أن يصبح كاتب سيناريو كما أصبح مغرما بالتصوير.

أمين منذ تلك اللحظة وحسب ما يمكن لأيّ مشاهد أن يقرأه طوال الفيلم، من زوايا ومساحات اللقطات وعلاقاتها ببعضها البعض من خلال المونتاج، بل ومن خلال النظرات والحوارات، سيصبح شغوفا بـ”أوفيلي”، بل مهووسا بها. إنه يرغب فيها أي في إقامة علاقة عاطفية معها، لكنها تنظر إليه نظرتها لشقيقها، أي باعتباره صديقها منذ الطفولة.

يلتقي توني وأمين بفتاتين على الشاطئ جاءا من مدينة نيس، يبدو توني اقتحاميا، يحاول إغواء إحدى الفتاتين بشتى الطرق، بينما يبدو أمين انطوائيا، فهو نموذج الفنان الحالم. يستمر الأمر على هذا المنوال فنرى مشاهد الشباب وهم يلهون ويضحكون ويرقصون ويتبادلون القبلات. توني ينتمي لأسرة تمتلك مطعما على الشاطئ للطعام التونسي الشهير “الكسكسي” وهو يغري الفتيات فيدعوهن إلى المطعم ويقدمهنّ لوالدته التي تشترك مع والدة أمين في العمل بالمطعم فهم جميعا عائلة واحدة.

ونحن مجبرون على الإنصات في مشهد آخر يستغرق أكثر من 15 دقيقة، لحوارات السيدات والفتيات (وبينهن حفظية حرزي بطلة “كسكسي بالسمك” التي فقدت تألقها وأصبحت هنا مجرد “كومبارس”) حول الزواج والطلاق والحب والرغبة والأبناء والعلاقات بين الأبناء والفتيات الفرنسيات، وهل أوفيلي تخون خطيبها الفرنسي الذي نعرف أنه ذهب للخدمة العسكرية أثناء حرب الخليج في 1991 وعاد ليعمل في مطار شارل ديغول الباريسي، أم أنها تتأهب لإنهاء علاقتها به، وهل يمكن لتوني أن يتزوج أم أنه حالة ميؤوس منها.

الأحداث تقع في منتصف التسعينات من القرن العشرين، أي قبل ظهور الإنترنت والهاتف المحمول، أي عندما كان كشيش يتلمّس خطواته في فرنسا، لكن الفيلم ليس من نوع السيرة الذاتية. إنه محاولة لتكرار ما حققه كشيش في فيلمه السابق “حياة أديل” الحائز على السعفة الذهبية. وقد كان سرّ الاهتمام الكبير بهذا الفيلم راجعا وقتها ليس فقط إلى جرأته في تصوير العلاقة المثلية بين فتاتين، بل بالجدل الذي كان دائرا في فرنسا حول حقوق المثليين.

كان هذا الفيلم رغم طوله المفرط يتضمن سياقا واضحا ومفهوما للموضوع الذي يدور حول بحث فتاة مراهقة عن توجهها الجنسي واضطراب علاقتها بفتاة تكبرها في العمر وقعت في حبها. أما في “مكتوب يا حبي” فليس هناك سوى الثرثرة الكلامية والبصرية.

وشخصية أمين الذي يعتبره كشيش نقيضا لتوني العابث، شخصية تائهة بلا ملامح واضحة، سلبية معظم الوقت، يبدو فقط مبتسما في كل المواقف دون سبب واضح، بل إنه بدا أيضا غير مقنع في دور الفنان الباحث عمّا هو أعمق من الصورة السطحية، فقد توقف طويلا لتصوير النعجة وهي تلد معتبرا أنه اكتشف اكتشافا خطيرا، ولا شك في جمال وتلقائية المشهد، ولكن ما الجديد؟!

تدور مشاهد كثيرة من الفيلم داخل مزرعة الأغنام التي تشرف عليها البطلة “أوفيلي” التي تنتقل بحيويتها وجسدها الفارع الممشوق المثير، تحلب الماعز، وتنظف الحظائر، وتسوق القطيع إلى الداخل بحذق ومهارة، وفي لقطات قريبة كثيرة ذات دلالات جنسية مباشرة، نشاهد كيف تقوم الفتيات العاملات بالمزرعة وخاصة “أوفيلي” بحلب العنزات بأيديهن وصب الحليب في أوعية خاصة.

توني العابث نقيض البطل أمين

هدف جنسي

مرة أخرى يعتمد كشيش على اللقطات القريبة للوجوه وعلى حركة الكاميرا من اليمين لليسار وبالعكس بين الشخصيات المختلفة وعلى تكرار اللقطات والحوارات الطويلة المرهقة، والتحديق المستمر في الوجوه، والإيحاء بالتلقائية ولكن هذا الأسلوب الذي كان مبتكرا في “كسكسي بالسمك” فقد تأثيره الآن وأصبح يعكس من التكرار دون أن يكون له معنى داخل سياق فني واضح المعالم.

ورغم جمال الكثير من لقطات المناظر الطبيعية على شاطئ البحر، فالمدهش أن كشيش يركّز الكاميرا طوال الوقت، على مواطن بعينها من أجساد الفتيات، وهو ما يعكس نظرته الخاصة “الذكورية” الشبقية للمرأة؛ باعتبارها مجرد هدف جنسي. وفي المشهد الرئيسي في الفيلم وهو مشهد الحفل الراقص يستغرق أكثر من ساعة يرصد من جميع الزوايا مجموعة من الفتيات الفرنسيات والتونسيات يرقصن، بتركيز خاص على بطلته الفرنسية “أوفيلي” وهي ترتدي “الشورت” وتتخذ أوضاعا إيروتيكية.

وفي مشهد يستغرق نحو 20 دقيقة أو أكثر (مع ملاحظة أن زمن الفيلم 186 دقيقة) يصور كشيش نعجة أثناء ولادتها، وذلك دون أيّ ضرورة فنية تحت مبرر أن بطله أمين مهتم بتصوير ذلك الحدث بعد أن ظل يتتبع باهتمام “أوفيلي” التي تعمل في مزرعة. وقد طلب أن يصورها عارية تعبيرا عن اهتمامه بجسدها، وهو نفس اهتمام المخرج كشيش نفسه الذي يكرس الفيلم لحساب الممثلة “أوفيلي بو”، فجسدها موجود وحاضر بقوة في معظم المشاهد.

أما أمين-الفنان الحالم فقد جرب دون نجاح إقامة علاقة مع أكثر من فتاة، فيقرر بعد أن يعجز عن الوصول إلى قلب “أوفيلي” التي تتصف بروح عملية واضحة، الذهاب مع الفتاة التي سبق أن خدعها توني وكاد يحطم قلبها، لعلّ الاثنين يجدان عزاء مع بعضهما البعض، وهذا هو “المكتوب يا حبي: الفصل الأول”. وكشيش يمهّد بذلك لتصوير جزء ثان من الفيلم كما أعلن في المؤتمر الصحفي الذي أعقب عرض الفيلم في مهرجان فينيسيا وتردد أنه سيكون هناك أيضا جزء ثالث.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر