الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

هامش مجازي

كان حرج نجيب محفوظ لا حدود له وهو يناول العلبة ليحيى الطاهر عبدالله، طالبا من النادل شراء علبة أخرى. وساد صمت بين الجالسين وحرج لا حدود له.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/09/20، العدد: 10757، ص(15)]

تتداخل تجليات الهامشي في نصوص وأنواع التعبير، بالرغم من وضوح دلالته المرجعية العامة. فالهامشي مبدئيا هو المثال الإنساني المقصي عن دائرة الاهتمام، والمنبوذ في عرف الأخلاق، والمقموع من قبل مؤسسات المجتمع والعقل والعقيدة والسلطة. وإذا ما استعملنا اللغة الخلدونية، يمكن أن نختزل الهامشي في الكيان المجرد من “العصبية”.

وأن ننحاز إلى عوالم الهامش في الرواية والشعر والمسرح والسينما شيء، وأن نسعى للتماثل مع الكائنات الهامشية شيء آخر. فالكاتب أو الناقد أو الأكاديمي قد يكون مولعا بحساسية جون جنيه وموديغلياني ويحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل وسركون بولص، تجاه الكائنات الضائعة والمنفية والشريدة، دون أن يتحول بالضرورة إلى كائن عنيف مناهض لكل المواضعات الاجتماعية، ومعارض للقيم والعقائد السائدة، ومنفلت من كل أشكال العقلانية المتوافق عليها.

أستعيد دوما تلك الواقعة التي يوردها غالب هلسا في كتابه: “أدباء عرفتهم، أدباء علموني”، حينما كان نجيب محفوظ في مقهى ريش يدخن سيجارته واضعا علبته في جيب قميصه، سادرا في الإصغاء لحديث مجالسيه، فبادره يحيى الطاهر عبدالله بحركة منفعلة بطلب وضع العلبة على الطاولة ليأخذ منها من يرغب من الكتاب المفلسين، حيث لا يليق من وجهة نظره، ألا يؤمم الكاتب أشياءه الصغيرة مع أصدقائه.

كان حرج نجيب محفوظ لا حدود له وهو يناول العلبة ليحيى الطاهر عبدالله، طالبا من النادل شراء علبة أخرى. وساد صمت بين الجالسين وحرج لا حدود له. ويبدو أن الخلل في هذه الواقعة ليس في جرأة يحيى وعدوانيته المجانية تجاه كاتب اختزله في مجرد أرستقراطي صغير، ولكن في العقيدة الفكرية التي تساوي بين الإبداع والسلوك الجانح، وبين الكتابة والزيغ عن اللباقة ومعاداة كل أشكال الوجاهة الاجتماعية.

أستعيد دوما هذه الواقعة مع عشرات الوقائع الأخرى حين تتحول الهامشية والفوضى إلى امتياز ثقافي، يسمح لصاحبه بأن يحشر الكتابة في مستنقع العشوائيات، ويقيم بينها وبين الأزياء الرفيعة والعطور الساحرة والأبنية الراقية والسلوك المتحضر عداوة بلهاء، ومن ثم تتحول حياة الشطارة إلى هدف في ذاته، مهما كانت فرص العيش خارجها متاحة، وكأنما الكتابة في حال العوز والتيه والترشد قدر مفرح، وطريق ملكي إلى العبقرية.

والحق أن عددا كبيرا من كتاب القاع المتحققين لم تكن تمثل الهامشية بالنسبة لهم وضعا مريحا ولا حالا منتهيا، وإنما اختيارا وجدانيا سرعان ما تحول بعد مسار طويل من النجاحات إلى غلالة عاطفية ملازمة لوضع مجازي أكثر مما هو حقيقي، ذلك كان حال محمد شكري مثلما هو حال آخرين ممن انتهت الهامشية لديهم في مرحلة ما عند حدود الورق.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر