الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

استعراض الجرح

من المآسي الإنسانية الكبرى التي سيقت إلى خانة “تمليح الجرح” دون أن تخفف من فداحته، بل على العكس، نذكر مأساة المهاجرين السوريين الذين قضى الكثير منهم في البحر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/09/22، العدد: 10759، ص(17)]

لا يخفى على أحد، ومنذ عقود كثيرة، أن ملفوظات البحر لا تحصى، بعضها وصل إلى الشواطئ من تلقاء ذاته ليدحض أو يؤكد معلومات أو تخيلات، وبعضها الآخر لهثت وراءها جيوش من الغطاسين الماهرين بحثا عن كل ما يثبت قصصا أو حقائق تاريخية عن حروب أو حوادث أخرى.

في هذا السياق يُذكر أيضا أن عددا من الأفلام السينمائية تناولت الموجودات في المحيطات التي أشارت إلى قارات أو جزر، أو سفن فضائية اختفت في ظلماتها، ولعل أهم فيلم على الإطلاق هو فيلم “كوكب القرود” في نسخته الأولى حيث تخيل المخرج الحياة المدنية غائرة بقعر البحار مُعلنة نهاية البشرية كنتيجة للانتهاكات المستمرة التي مارسها الإنسان ضد الطبيعة. وهناك فيلم آخر اسمه “عالم الماء” الذي لا يقل سوداوية عن الفيلم الأول حيث أصبحت نقطة الماء العذبة بالنسبة للوحوش البشرية أغلى من الذهب وأغلى من حياة الآخرين.

نحن الآن على ما يبدو قد دخلنا في الزمن التفاعلي، فقد ارتأى الإنسان، وبدوره، أن يلقي “بملحه”، إذا صحّ التعبير، إلى قلب البحر، وإذا استثنينا “الأملاح” البشرية من قبيل الملوثات، والاختبارات النووية القاتلة للحياة البحرية، سنعثر على اهتمام بشري فنيّ جديد نسبيا، وهو ابتكار لتجهيزات استعراضية/رمزية وتقديمها في قعر البحر تحت ضوء الكاميرات المتخصصة.

آخر تجهيز “استعراضي”، كان منذ أكثر من أسبوع في لبنان عندما عُمم هذا الخبر “وجه المركز اللبناني للغوص تحية إلى شهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا غدرا على يد تنظيم عناصر داعش الإرهابي، والذي كان قد اختطفهم من مراكز خدمتهم في بلدة عرسال في أغسطس العام 2014 عبر تخليد صور الشهداء في قاع البحر، صور على عمق 40 مترا، ليتذكر اللبنانيون تضحيات الجيش اللبناني وبسالته في الدفاع عن الوطن من مخططات الإرهاب”.

لا أحد يشك في الخلفية النبيلة لتلك الحركة الاستعراضية ولا “بجمالية” تنفيذها، كما ما من أحد يشك بعدم حاجة اللبنانيين لمن يذكرهم ببسالة جيشهم الصامد، الجرح في مكان آخر تماما ولا يتوخى المزيد من الملح ولا المزيد من الظلام على عمق 40 مترا موحشا لكي يزداد لهيبه.

لو كان للجرح أن ينطق لقال “حبذا لو استبعد عن هكذا استعراضات فنية باتت فولكلورا في العالم المعاصر، إن كان هذا الاستعراض سيخلد أي أمر فهو سيخلد ذكرى ظروف اختطافنا وظروف استشهادنا الغامضة التي ستظل كذلك، وإن أفصحت عنها الجهات الرسمية الحالية”.

لذلك يمكن التأكيد أنه ليست كل الأعمال الفنية/الاستعراضية/التجهيزية والمعاصرة في العالم تشير إلى المآسي البشرية التي أسست لها، هناك صنف قاتل من الأعمال أو التظاهرات الفنية كتلك التي ذكرناها تزيد من نسبة الإحساس بالعبثية وهي مهما بلغت روعتها لا تشير إلى المأساة، إنما المأساة هي التي تشير إليها بأصابعها الاتهامية.

من المآسي الإنسانية الكبرى التي سيقت إلى خانة “تمليح الجرح” دون أن تخفف من فداحته، بل على العكس، نذكر مأساة المهاجرين السوريين الذين قضى الكثير منهم في البحر، فقد أقام الفنان البريطاني الجنسية أول متحف في قعر البحر تخليدا لرحلتهم المأساوية، لا سيما الغرقى منهم.

نحت الفنان البريطاني جاسون تايلور محتويات أول متحف من نوعه في أوروبا تحت سطح البحر بأربعين قدما تقريبا.

رافقت هذه المنحوتات التي ارتقت إلى مستوى عالمية الجرح أعمال فنية تمثل مُعارضة نحتية للوحة كلاسيكية للرسام تيودور جيريكو وتمثل غرق “قارب الميديوسا” الأيقوني الذي بات شعارا بصريا ومعنويا للثورة الفرنسية.

تبقى المنحوتات التي تجسد مصورين صحافيين في وضعية التقاط صور الأكثر تعبيرا عن الهول المُضاعف لأنه “يُسرمد” اللحظة العنيفة القصوى التي اختبرها الضحايا، ومن ناحية أخرى يخلّد فعل الملح والطحالب قبل أن يخلد ذكرى هؤلاء الصامتين والشاخصين وراءها.

ناقدة لبنانية

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر