الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

'يوميات' جميل ملاعب حصاد لا يشبه الحصاد

  • يقدم الفنان التشكيلي اللبناني جميل ملاعب مجموعة جديدة من أعماله الفنية في صالة “جانين ربيز” في العاصمة اللبنانية بيروت تحت عنوان “يومياتي”، مجموعة أعمال بأحجام مختلفة هي أشبه بتنفس الصعداء حيال واقع هو أقل جمالا مما يصوّره الفنان، ولكنه مُعالج بدرجة الصدق نفسها التي قدم لنا فيها أعماله السابقة في أكثر من ثلاثين معرضا فنيا ومشتركا في أكثر من عشرين بلدا من ضمنها وطنه لبنان، ولأكثر من ربع قرن.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/09/22، العدد: 10759، ص(17)]

عصفور أزلي يسكن اللوحة والأزمنة كلها

بيروت – يقول التشكيلي اللبناني جميل ملاعب في تقديمه لمعرضه الجديد المعنون بـ”يومياتي” من خلال البيان الصحافي الذي قدمته صالة “جانين ربيز” البيروتية لزائري المعرض “لا أعرف كيف أعبّر عن كل هذه التأثيرات بالإضافة إلى تأثيرات خاصة أتتني عبر الأجيال والأجداد ومن حياة الأهل في ضيعة اسمها بيصور، هي جزء من تراث عريق ومتنوع وهي مصغر لحياة كونية تختصر كل شيء”.

ويضيف ملاعب “لوحتي في يومياتي تختصر كل تجاربي ومشاهداتي، هي تكتب مذكرات أشواقي في الصباح والمساء، في كل الأيام والفصول، في يوم مشمس ويوم ماطر، في رحلة قصيرة من الجبل إلى بيروت عبر طريق البحر، هي السماء تدعوني إلى أن أقطف مشاهد طيورها وهو البحر يؤهل بي كي أغوص في لجته، هم الناس يسلمون عليّ، وهي مشهد مزارع يزرع أو بائع خضار يعرض تفاحه وخضاره الملونة في صناديق كأنها قطع فنية لعمل تشكيلي معاصر”.

مطويات الصالة

قبل التأمل في أعمال الفنان، لا بد من الوقوف مطولا أمام الطريقة التي عُرضت فيها الأعمال في صالة “جانين ربيز” العريقة، والتي واكبت أواخر الخمسينات من القرن الفائت وزمن الستينات الذهبية في بيروت لتساهم في تشكيل وتوطيد هويتها الثقافية.

طريقة العرض نمّت عن دراية هائلة بفن وطبيعة الفنان جميل ملاعب، فقد جاء توزيع مجموعات الفنان منفصلة عن بعضها البعض دون أن يقسم ما بينها أي حاجز ماديّ لتعبّر بصريا عن ممارسات فنية مُختلفة ومهمة من حياة ملاعب اليومية وساهمت ببناء جسور ما بينها تُسهل على المُشاهد عبورها دون أن يشعر بأنه انتقل، على سبيل المثال، من الفن التشكيلي، إلى الفن التجريدي بشكل مُباغت، أو من الرسم أو النحت على الخشب، إلى القماش والألوان الزيتية البحتة التي لا زالت على ما يبدو الأقرب إلى قلب جميل ملاعب مهما اختبر سابقا واليوم، من أساليب ومواد فنية مختلفة شملت الرسم على الورق الرقيق والمُدعم، والنحت الحجيري، والنحت والحفر على الخشب، والطباعة على الحرير والحفر بالأسيد على الزنك، والرسم والتلوين بالحبر الصيني وبالأكريليك وبالغواش والباستيل الطبشوري والزيتي، إضافة إلى الخوض في غمار عالم الموزاييك الواسع.

فرد القيمون على الصالة “مطويات” الفنان في وسع الصالة بخبرة سيدة قادمة من إحدى لوحات عملاقي الفن فيرمير، أو جورج دولاتور انكبت على مشاغلها البيتية اليومية مع انغماس كليّ في خواطرها المحاذية لعملها اليدوي/الروتيني.

ويحيلنا أيضا غنى العرض في صالة غير كبيرة نسبيا إلى طبيعة الفنان الدافئة والنزقة في الآن ذاته، ففن جميل ملاعب يشبهه بصدق صاعق، إذ يتنقل من مُعالجة فنية إلى أخرى دون أن يُقطع الخيطان التي تربطها ببعضها البعض، يفعل ذلك شعوريا أكثر منه لا شعوريا، ربما لكي يُرضي الطفل النزق الذي يسكنه، صبيّ يتلون بالحزن أحيانا، ودائما لا تهدأ حركته ويأبى لصالحنا وصالح حاضنه أن يفارقه لا في ليله ولا في نهاره.

يقول جميل عن لوحاته “هن النساء يعملن في البيت والدار مع أطفالهنّ، هم الناس القريبون من الطبيعة، هي دكاكين النجارين والحدادين وصانعي الفخار وناحتي الأحجار والصخور وصيادو الأسماك والسباحون”.

ويضيف “أنا أعيش بين هذه المتاحف الواقعية في حياة تنمو كل يوم وتدور الساعات لتسجل أجمل الصور والأفلام عن الحياة في لبنان الذي يختزل في جماله وروح أهله كل الأكوان، هو الوطن العزيز الذي يدعوني أن أعيش فيه أجمل الأيام في أصعب الظروف وفي كل المناسبات، في فرحه وأزماته، تخترق اللوحة المشهد العابر وتحاول أن تسجل الأمل والفرح في وطن يحضنني وأحضنه، والسلام على اللون والشكل وعلى زمن أعبر منه إلى لوحة أرجو أن تكون مرآتي ومحطة لحياتي العابرة”.

فن ملاعب يشبهه بصدق صاعق، إذ يتنقل من معالجة فنية إلى أخرى دون أن يقطع الخيطان التي تربطها ببعضها البعض

حصاد الأيام

حضور التشكيل والتجريد في معرض واحد لفنان ولا سيما حينما يكون مشغولا بذات الفترة الزمنية قد يكون أمرا غير محبذ بشكل عام، لأنه قد يشي بنوع من الضياع في تحديد الهوية أو الشخصية الفنية، غير أن هذا لا ينطبق البتة على الفنان جميل ملاعب للسبب الذي ذكرناه آنفا ولأسباب أخرى.

صحيح أن المعرض يحمل عنوان “يومياتي” ويوحي للوهلة الأولى بأن الفنان يؤرخ يومياته ومُشاهداته للطيور والنباتات وانهماك القرويين بأعمالهم اليومية، غير أن ما من لوحة تحمل صفة الأفول وترك الساحة لمشاهد تالية.

كل ما يحدث في لوحات الفنان، تجريديا أو تشكيليا يحدث في الآن ذاته وفي النضارة ذاتها، حصاد الأيام عند ملاعب لا يشبه الحصاد بالمعنى التقليدي للكلمة،

إنه قطف لبراعم تستمر برعما مع تقدم الزمن، وهو ضحكة ملوّنة تتعرى في لوحاته التشكيلية، وتتكثّف وتتصدّع في لوحاته التجريدية.

بقى عصفوره الأزلي ملك اللوحات والأزمنة كلها، حتى عندما يغيب عنها حسيا، لا يشيخ ولا يكلّ ولا يملّ في الظهور في كل لوحة وكأنه لأول مرة يظهر فيها.

ثمة لوحة واحدة يُمكن تسميتها بنجمة المعرض، وهي تلك التي كأنت تفوح منها رائحة مسك أشجار الصنبور اللبنانية، قد لا تكون الأروع، ولكنها حتما تختصر هذا “الجبروت” الفني، إذا صحّ التعبير، وهي لوحة صغيرة الحجم نسبيا، يغلب عليها لون خشبيّ متموّج، تمثل شجرة عليها بضعة عصافير.

تكاد هذه اللوحة تختصر ما يُعرض في المعرض كله، العمل على الخشب، والرسم على القماش، المخملية والشفافية، التجردية والتشكيلية، وقوام عصفور حكيم عرف كيف يقيم التوازن فعنون معرضه “يومياتي”، وطرف ابتسامة شريرة علقت على طرف منقاره.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر