الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

سعيدة بشعري الأبيض

لن يكون عندي ما يكفي من الوقت لأُبدده في انتقاد نفسي وانتقاد الآخرين.. فاهتمامي الحقيقي منصب على ما يمكن أن تكون عليه حياتي الآن.. وكيف لي أن أحياها بحب وسعادة.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/09/27، العدد: 10764، ص(21)]

أواخر أكتوبر من عام 2016 استلمت راشيل فارنسورث رسالة من أحد المتابعين لقناتها على اليوتيوب التي تقدم عبرها وصفات أطباق وأطعمة لذيذة.. تقول الرسالة “تبدين في السبعين من عمرك بشعرك الرمادي.. يفترض بك صبغه كي لا يبدو شكلك مثل عجوز شمطاء.. إنه مجرد اقتراح!”.

وقررت أن ترد على الرسالة بفيديو من ثلاث دقائق شاركته على فيسبوك ليحوز في 48 ساعة على أكثر من نصف مليون مشاهدة و8000 مشاركة.. وليكون درسا جميلا في الثقة والتصالح مع النفس.

وقد ابتدأت التسجيل بقراءة الرسالة ثم الرد بالقول “عمري 31 عاما ولدي الكثير من الشعر الأبيض.. وزوجي يرفض أن أصبغ شعري لأنه يريدنا أن نكبر ونشيخ معا.. وإذا قرأتم ما كتبته عن نفسي في مدونتي.. فستعرفون إصابتي بمرض مناعي نادر يجعل من المستحيل أن أحيا حتى أبلغ السبعين.. وأي علامة لتقدم السن إن هي إلا دليل على أنني مازلت على قيد الحياة!”.

لا تستطيع أن تغالب دمعاتها وهي تتلفظ هذه العبارات وإذ تمسح عينيها بتلقائية وصدق بالغين تبتسم ابتسامة ساحرة ساخرة وهي تستأنف حديثها قائلة:

“كثير من الناس لا يحالفهم الحظ في أن يعيشوا عمرا مديدا فيشهدوا علامات تقدمهم في السن.. وأظن أنني واحدة من هؤلاء الناس.. وهذا يعني أنه لن يكون عندي ما يكفي من الوقت لأُبدده في انتقاد نفسي وانتقاد الآخرين.. فاهتمامي الحقيقي منصب على ما يمكن أن تكون عليه حياتي الآن.. وكيف لي أن أحياها بحب وسعادة..

لقد ولدت بعيب خلقي كان باديا بشكل تشوّه في الفك السفلي جعل مني أضحوكة الأطفال أيام المدرسة.. وكان ذلك وحده كفيلا بكسري من الداخل وتحطيم نفسيتي.. كنت أشعر أنني وحش يخافه زملائي.. وكان عليّ أن أنتظر طويلا حتى أكبر ويكتمل نموي لكي أجري عملية جراحية تصلح من ذلك التشوّه.. كنت أقول لنفسي إنني لن أكون سعيدة حتى أجري تلك العملية.. وإذ أجريتها فعلا شعرت بسعادة غامرة لبعض الوقت.. لكنني سرعان ما أدركت أنني لست شخصا آخر.. إنني أنا.. الإنسانة ذاتها التي تملك المشاعر والأحاسيس والتصرفات ذاتها.. والأنكى أنني كنت أحس بالانكسار وانعدام الثقة بالنفس كما كنت قبل الجراحة.. وقد تطلب تغييري لنفسي جهدا مضنيا حقيقيا استغرق مني عشر سنوات كي أصبح أقوى من الداخل وأكثر وعيا وثقة بنفسي”.وتمضي لتصف جسدها وعيوبها بابتسامة ساحرة.. وهي تشير إلى بشرتها وعينيها وخيوط الفضة التي تلتمع بين خصلات شعرها الأسود الطويل وتقول “اليوم لدي جسد يصعب أن أحافظ على وزني الملائم معه.. لدي تجاعيد وبقع داكنة في بعض الأماكن من بشرتي.. لدي سواد وانتفاخات تحت العينين.. ولديّ.. ولديّ… وأنا أملك أيضا خيوطا رمادية تلون شعري.. وأنا سعيدة بكل ذلك.. وأحب كل ذلك.. أحب نفسي كما هي”.

وتختم حديثها بالقول “العالم بأمس الحاجة إلى بشر يدعمون بعضهم بعضا ويبنون بعضهم بعضا لا إلى بشر يدمرون ويكسرون ويحطمون سواهم.. العالم بحاجة إلى رجال مثل زوجي يساعدون سواهم على أن يتصالحوا مع أنفسهم وأن يحبوا ويتقبلوا ما هم عليه.. وإلى بشر يحبون أنفسهم وأجسادهم كما خلقها الله.. فكن ذلك الإنسان.. لتحيا سعيدا”.

صباحكم تصالح..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر