الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

ماض مقيم

في أغلب سير المدن العربية التي كتبها روائيون منذ مطلع القرن الحالي تهيمن نبرة من الأسى على الوضع الذي آلت إليه أحوال القاهرة وبغداد ودمشق وطنجة والجزائر...

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/09/27، العدد: 10764، ص(15)]

من الملامح الأكثر دلالة على خروج الثقافة العربية الإسلامية من التاريخ، تشبثها بلحظات منتهية، وعدم الإقرار بموتها، والسعي الدائب إلى استيطان الماضي، وتوطينه في الحنايا الحاضنة.

فقارئ الرواية العربية ما قبل سبعينات القرن الماضي قد لا يتعرف على فضاءاتها اليوم، ليس لأنها تطورت بحكم النمو السكاني، وما استتبع ذلك من حاجة إلى إعادة تخطيط مراكزها وأطرافها، وإنما قياسا لما اكتسح شوارعها وساحاتها ومبانيها من خراب، منذ انطفاء جذوة الحلم، وانتكاسة الثقافة المدنية، واستشراء الاضطرابات الاجتماعية والهوامش المحتضنة للعشوائيات.

هكذا لم يعد ثمة وجود لتفاصيل مكانية اسمها “وسط البلد” أو “العباسية” أو”شبرا” كما كانت في قاهرة الأربعينات والخمسينات، وصورتها لنا روايات نجيب محفوظ، ولا أثر إلا لظلال باهتة لذلك العنفوان المعماري المصطخب بالتنوع اللغوي والثقافي في حياة بولفار وسط طنجة، كما قد تطالعنا صوره في روايات محمد شكري، ولا لشارع الأميرات في بغداد، الذي حدثنا عنه جبرا إبراهيم جبرا، ولا لغيرها من الشوارع والأحياء والعمائر التي أضحت خيالات تنتمي إلى الذاكرة الروائية.

وفي أغلب سير المدن العربية التي كتبها روائيون منذ مطلع القرن الحالي تهيمن نبرة من الأسى على الوضع الذي آلت إليه أحوال القاهرة وبغداد ودمشق وطنجة والجزائر وبيروت والدار البيضاء وعدن…

وليست في العمق لوعة على البنيان والعمران، وإنما على الروح التي كانت تسكنه، وما اتصل بها من عقلانية في تخطيط مساحات المدن، تستجيب لمتطلبات الحياة الطبيعية، من أرصفة وعلامات مرور إلى مواقف السيارات والأندية الرياضية، وهي الامتدادات التي شهدت ارتدادات نكدة ابتداء من النصف الثاني من القرن الماضي، إلى أن انتهت إلى هياكل معطلة، مع تغول المحافظة وهيمنة الفكر الديني المعادي للتمدن في العواصم العربية.

ومن ثم لن يغدو مفارقا أن تغيب فضاءات أساسية في النسق المديني عن الوجود، كالحدائق ودور السينما والمسابح والمقاهي المختلطة، والمنحوتات الفنية المؤثثة للشوارع، المتصلة كلها بعمارة بديعة، في مقابل تفاقم الكتل الخرسانية المسطحة، ومظاهر الفصل الجنسي، ومعاداة الحريات الفردية ونزعة الرفاه في العمران، وكأنما يتعلق الأمر بندم جماعي حيال المسار المتبع لعقود قليلة، وعودة حثيثة لتأصيل البدائية.

هل يتعلق الأمر برفض للحداثة مقترن بحنين دائم إلى الماضي أم هو نزوع لا إرادي للخروج من التاريخ؟ قد تكون كل هذه العوامل حاضرة في الخلفية الفكرية لهذا الارتداد، لكننا لا يمكن أن نتمثلها دون إدراك لجوهر العقيدة التي تسكنها والمتمثلة في عدم القدرة على تحويل الماضي إلى تراث، فأن نعيش هذه الأيام من كل سنة (مثلا) على إيقاع الجدل حول شهادة الحسين وكأنها حدثت البارحة، يؤكد بالملموس أن حالنا ميؤوس منه، وانتماءنا للتاريخ الحديث بات مسألة مستعصية.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر