الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

بارزاني ولا سليماني

صوت بعض عرب كركوك على الاستفتاء حول استقلال كردستان تحت شعار 'البارزاني ولا سليماني' خصوصا أن مسعود البارزاني طمأن الأقليات قبل الاستفتاء وقال بأنه يحلم بدولة مدنية تضمن حقوق الأقليات.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/09/28، العدد: 10765، ص(8)]

في بداية الثمانينات من القرن الماضي سألَنا والدي إذا كنا نريد الذهاب للعيش في كركوك، وقال إن الحكومة تقدم إغراءات من سكن وزيادة في الراتب وحوافز مثل تقديم منحة 15 ألف دينار وغيرها لكل عائلة عربية تنتقل إلى كركوك. ثم قال أبي لماذا غيروا اسمها من كركوك إلى محافظة التأميم؟ ربما لأنها المدينة الأغنى بالبترول في العراق. في تلك الفترة تم تهجير بعض الأكراد وتوطين بعض العرب.

حجة الحكومة هي أن “العصاة” والانفصاليين الأكراد يطالبون بكركوك لتكون سلة غذاء للدولة الكردية الجديدة التي يحلمون بها. لو تراجع الإحصاءات الموجودة على الإنترنت في ويكيبيديا عربي وإنكليزي عام 1957 تجد عدد الأكراد في كركوك حوالي 218 ألفا بينما عدد العرب كان نصف هذا الرقم. وفي إحصاء عام 1997 كانت نسبة العرب 544 ألفا مقابل 155 ألف كردي. لكن هذه الأرقام كما يبدو كلها مزوّرة وغير حقيقية بسبب الصراع السياسي الحالي على المدينة.

قال الأمين العام للحزب الطليعي الناصري في العراق، عبدالستار الجميلي “كركوك محافظة عراقية بامتياز يشكل العرب والتركمان أغلبية سكانها، فيما يشكل الأكراد أقلية، ولكن يصرون على إضفاء الطابع الكردي عليها، ويعود وجود الأكراد في المدينة إلى عصر ما بعد اكتشاف النفط عام 1932، ولم يكن لهذا المكوّن أثر في المدينة قبل تلك الفترة”. وذكر مثقف عراقي عاش في المدينة بأن روح مدينة كركوك بلا شك ذات طابع تركماني، وفي كل الأحوال يؤكد آخرون بأن كركوك مدينة عراقية بامتياز؛ يتوازن فيها الحضور الكلدو-آشوري المسيحي والتركماني السني والشيعي والعربي والكردي.

من المؤكد أن محافظة كركوك خضعت لسياسة حكومية في الماضي كان الهدف منها تشجيع العرب على الإقامة فيها كجزء من سياسة التعريب التي تضرر منها التركمان أكثر من الأكراد كما يقول متابع. بكل أسف بعد الاحتلال قام إقليم كردستان بسياسة مضادة تمثلت بتوزيع قطع من الأراضي حول الأحياء العربية والتركمانية والمسيحية في كركوك على أكراد وافدين من مناطق أخرى.

أي أن الأكراد رغم نبل سياستهم تجاه السنة العرب عموما وتقديمهم الإقامة والحماية لضحايا النزاع الطائفي إلا أن سياستهم في كركوك مختلفة تماما. فقد تم اتباع سياسة التضييق والتهجير للسنة العرب بهدف تغيير الهوية الديموغرافية جراحيا.

ما ذنب العربي الذي عاش منذ السبعينات من القرن الماضي في كركوك بتشجيع من الحكومة السابقة؟ لا أعتقد أن الحل يكون بممارسات لا إنسانية. المشكلة هي أن العرب والتركمان يشعران بثقلهما في المدينة ويطالبان الأكراد بالواقعية والكف عن مضايقتهما.

الحقيقة هي أن عرب كركوك قد تغيروا اليوم بعد أن رأوا ما فعلته النزاعات الطائفية بالموصل والرمادي حيث نسبة الدمار 80 بالمئة وهناك مليون طفل سني عربي مشرد في العراء، نتيجة ذلك النزاع الدموي الذي تتحمل الحكومة المسؤولية عنه بسبب سياساتها الطائفية وتسليمها المدن للإرهابيين في صفقات مشبوهة.

صوَّتَ بعض عرب كركوك على الاستفتاء الذي جرى قبل يومين حول استقلال كردستان تحت شعار “البارزاني ولا سليماني” خصوصا أن مسعود البارزاني قد طمأن الأقليات قبل الاستفتاء المثير للجدل وقال بأنه يحلم بدولة مدنية تضمن حقوق الأقليات ولا تظلمهم. العرب السنة في كركوك يشعرون بأنهم أمام خيارات صعبة فلا حكومة بغداد تشعرهم بالأمان ولا حكومة كردستان تعاملهم بطريقة إنسانية.

تعتبر كركوك رابع مدينة عراقية ويسكنها حوالي مليون عراقي، تميزت بأهمية خاصة لتاريخها العريق وثرواتها الطبيعية من النفط والغاز الطبيعي. إضافة إلى موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط شمال العراق بوسطه. وكركوك تعتبر مشيمة الطرق التجارية في البلاد صعودا إلى تركيا، وغربا إلى سوريا، وجنوبا حتى الخليج العربي.

ليس احتياطي النفط في كركوك فقط ولكن المدينة تعوم على حقل من الغاز الطبيعي. تحدث الأكراد سابقا مع شركة إكسون موبيل الأميركية التي تستثمر وتنقب في كردستان عن إمكانية التنقيب في كركوك وإعطاء تقديرات عن حجم تلك الثروة.

شمال العراق كردي عموما والتركمان المتواجدون بكثافة في كركوك هم بقايا العهد العثماني وبناة المدينة الأصليون حيث شجعتهم الدولة العثمانية على الإقامة في كركوك، لحماية القوافل التجارية ورعاية مصالح الباب العالي.

والتركمان أقلية مسالمة. ليس عندهم مشروع سياسي خاص بهم ويريدون العيش بسلام. الأمر الذي سبب مشكلة داخلية بين الأكراد والتركمان والعرب، فالأكراد بحاجة إلى كركوك لتحقيق واقعية اقتصادية والحكومة المركزية ترى بأن التوازن السكاني في المدينة يجعلها تنتمي إلى بغداد وليس إلى كردستان.

إن نصف موارد كردستان النفطية حاليا تأتي من كركوك. والجميع يعلم أنه في عام 2030 سيبدأ تراجع البترول كسلعة، ربما يستمر النفط بعدها حتى 2050 وينتهي من الخارطة الاقتصادية. بدائل الطاقة ستحل محل النفط.

على العراقيين التفكير بمستقبلهم فكيف سيعيشون ويأكلون؟ المملكة العربية السعودية مثلا تتجه نحو التحول الصناعي، وكردستان تحاول اللحاق بالمستقبل لضمان لقمة أطفالها. يرى الأكراد أن ارتباطهم بالعراق سيؤخرهم ويعرضهم للخطر، خصوصا إذا كان العراق مشغولا بالصراع الديني والطائفي والتبعية لولاية الفقيه.

السنة العرب مثلا تعرضوا إلى إبادة تقريبا، فالشيعة لا يعطونهم السلطة التي تمكنهم من حماية مدنهم ضد الإرهاب، ولا يخففون من الشحن الطائفي والكراهية والتهميش. قبل يومين وضعوا صورة كبيرة للإمام الحسين على مدخل جامعة الموصل وشغلوا الأناشيد الحسينية بصوت مرتفع لاستفزاز المدينة المنكوبة من جديد. فهناك مَن يرى بأن هذه الحكومة لا تقوم بحمايتهم إذا تعرضوا لهجوم إرهابي. والأكراد من جهتهم يخافون من مصير مشابه لسنة العراق، ولا يثقون بحكومة فاسدة.

من حق جميع الأطراف التفكير جديا بمصيرها وأن يحموا أنفسهم. كردستان ليس فيها تفجيرات ولا خطف ولا اغتيالات، بل هناك حرص ملموس على الأمن والاستقرار في الإقليم. يبدو الصراع على كركوك في بداياته وهناك تهديد وجهه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بالضغط على كردستان بعد إجراء ذلك الاستفتاء الانفصالي وتحدي الحكومة المركزية.

أعطى حيدر العبادي حكومة كردستان مهلة ثلاثة أيام لتسليم المطارات والمعابر الحدودية للحكومة الاتحادية، إضافة إلى إشراك الحكومة المركزية بالسلطات الأمنية والعسكرية في الإقليم. ننتظر ونرى.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر