الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

السعودية... انتصار الولي على الوصي

  • البلدان الإسلامية ذات الخصوصية التاريخية والاجتماعية في تغليب الأحكام الشرعية والأخذ بآراء رجال الدين، تجد القيادة السياسية نفسها فيها مضطرة إلى حسم أمور حياتية تناسب متطلبات العصر دون الاستماع إلى الغلاة والمتشددين ممن يرون أنفسهم أوصياء على المجتمع في أمور الدين والدنيا فيشكلون عائقا أمام الإصلاح وعصيا في عجلات التطوير. وما أقدمت عليه المملكة العربية السعودية من قرار شجاع في ما يخص السماح للمرأة بقيادة السيارة، يندرج ضمن إرادة سياسية تقطع الطريق على المنتقدين والمزايدين في الداخل والخارج، ودون أن تمس من جوهر الدين وتقاليد المجتمع.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/10/02، العدد: 10769، ص(13)]

المرأة السعودية تنطلق بشكل أسرع

أخيرا صنعت المملكة العربية السعودية الحدث في العالم العربي والإسلامي باتخاذ قرار تاريخي حول قيادة المرأة السعودية للسيارة، موجهة صفعة قوية إلى خصومها الذين كانوا يشمتون فيها بسبب ثقل المؤسسة الدينية، في وقت تشهد فيه منطقة الخليج تحولات هائلة ينصب الرهان فيها على الدور الذي يمكن أن تنهض به المملكة، ذلك الدور الذي لا يعدم خصوما يحاولون التشكيك في القيمة التاريخية للمملكة ومحوريتها السياسية والاستراتيجية.

موضوع قيادة المرأة للسيارة في المملكة العربية السعودية ظل أحد الموضوعات الشائكة التي شغلت الرأي العام في الداخل طوال ما يربو على ثلاثة عقود، وجعل العالم ينظر إليها من الخارج كما لو كانت قلعة حصينة في وجه فعاليات ومشاريع الإصلاح. وإحدى المفارقات أن المملكة استطاعت خلال العقود الثلاثة الماضية أن تخوض إصلاحات كبرى على الصعيد السياسي، على الرغم من حجم الصعوبات الناجمة عن التراكمات الممثلة في المؤسسة الدينية التقليدية.

وكانت “رؤية 2030” إشارة قوية إلى عزم المملكة على دخول عصر جديد قوامه تفجير الطاقات الداخلية والاعتماد على الذات وتطوير اقتصاد وطني في أفق التحرر من الارتهان للنفط، لكي لا تظهر المملكة في المستقبل وكأنها تصر على التمسك بعتاد الماضي بينما يتحول العالم جذريا، ولكن الجبهة الدينية بقيت منيعة على الاختراق، وفي مجتمع عربي مشابه يشكل الدين مناط الحركية الاجتماعية والفكرية والسياسية فيه فإن وجود مؤسسة دينية حبيسة النص وحرفيته، يشكل عبئا ثقيلا على السلطة السياسية ويجعل كلفة الإصلاح باهظة وطويلة الأمد.

لكن دلالة القرار الصادر عن الملك سلمان، الذي اختار نهج التحديث التدريجي واتباع سياسة الخطوة خطوة في هدم التقاليد البالية، تتجاوز المستوى السياسي.

إن أكبر الصعوبات التي تواجهها المجتمعات العربية اليوم تتمثل في التباين الكبير الحاصل ما بين الأنظمة الحاكمة والمؤسسة الدينية التي تحاول أن تكون سلطة إلى جانب السلطة، أو دولة داخل الدولة كما يقال في العلوم السياسية، ونتيجة لهذه الازدواجية أو المنافسة الصامتة تتلكأ السلطة في العديد من الأحيان عن تفعيل رؤية الإصلاح التي تؤمن بها، تجنبا للصدام مع المؤسسة الدينية أو اتقاء لـ”الفتنة”.

القرار السيادي أصبح بمثابة اجتهاد شرعي، لأن تقديرات الدولة ليست تقديرات وحسابات رجل الدين القابع في زاويته

لا يزال الإسلاميون ورجال الدين حتى اليوم ينظرون إلى السياسة بوصفها معارضة مستمرة للدولة، فيضعون بذلك أنفسهم حائلا بين الدولة وبين الإصلاح، وهم في هذا السلوك لا يعكسون التصورات الدينية السلمية بقدر ما يعكسون تصورا سياسيا مستنسخا عن تجربة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية التي ترى في نفسها البديل عن الدولة، وترفع شعار”أنا أو الدولة”، بينما فلسفة المعارضة في الدين الإسلامي تتمثل في النصيحة السياسية والتعاون مع ولي الأمر والتجاوب مع القرارات الكبرى وليس المناكفة. وفي عصر الدولة وتعقد مداخل القرار السياسي ووجود تداعيات داخلية وخارجية لأي قرار صادر عنها يصبح القرار السيادي بمثابة اجتهاد شرعي، لأن تقديرات الدولة وحساباتها ليست تقديرات وحسابات رجل الدين القابع في زاويته.

ويحفل الفقه الإسلامي بمساحة واسعة تدور حول سلطة ولي الأمر في تقييد المباح وفي التصرف في الأحكام، وفق الاجتهاد الذي يمنح حيزا واسعا للأخذ بالضرورات، ولكن المشكلة في الوعي الديني والفهم الشرعي لدى العديد من الإسلاميين بسبب موقفهم المسبق من الدولة وانحيازهم إلى مبدأ التعارض على حساب التعاون، ورغبتهم المستمرة في إظهار سياسات الدولة وكأنها تسير في غير منحى الشرع، والقاعدة الأصولية أنه حيثما كانت المصلحة فثم النص، أو شرع الله.

وكان المغرب سباقا إلى إدراك خطورة إبقاء هذه المساحة فارغة، مما يدفع الكثيرين إلى استثمارها سياسيا، لذلك استفتى العاهل المغربي محمد السادس عام 2005 المجلس العلمي الأعلى، وهو أعلى هيئة دينية في البلاد ومؤسسة دستورية، حول موضوع سلطة الدولة والإمامة وعلاقتهما بالشأن العام، والأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه سائر الأحكام الشرعية والقانونية المنسجمة، فأصدر المجلس بعد مداولات استمرت أكثر من عام فتوى حول”المصلحة المرسلة”، أوضح فيها أن تدخل ولي الأمر أو الإمام في التشريع يمتد إلى مجالات ثلاثة على الأقل، هي: مجال ما لا نص قطعيا فيه، مجال ما كان موضع خلاف فقهي، ومجال ما كان فيه تحقيق مصلحة حقيقية.

ويمثل القرار الأخير الصادر عن العاهل السعودي بجواز قيادة المرأة للسيارة خطوة على طريق استرجاع السلطة للمبادرة في الحقل الديني، فهو قرار يتأسس على أهمية تفعيل سلطة ولي الأمر في الأمور الشرعية بعيدا عن وصاية حراس النصوص وأصحاب الفكر الجامد، فالأصل أنه عندما تتعطل المصلحة يتدخل ولي الأمر أو الحاكم لصيانتها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر