الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

قبيلة تغلب وأسماء الأشياء

قرأت إنهم في أميركا صار عندهم وظيفة 'فني تعزيز الشفافية' وهو لقب جديد لمنظف النوافذ. أو فتاة لقبها الوظيفي 'مسؤولة الانطباع الأول' وهذا يعني أنها موظفة استقبال بسيطة، أما 'مستشارة التغذية في المعاهد التعليمية' فهي طباخة في مدرسة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/10/03، العدد: 10770، ص(24)]

عندي حكاية أرويها من الذاكرة، لذلك تجدونها تحتوي على “أظن” و”لعل” والأدوات الأخرى المختصة بالتملص من المسؤولية. الحكاية تبين أهمية أسماء الأشياء وكيف أن الاسم يغلب على التعريف الصحيح.

الحكاية تقول إن هناك قبيلة عربية، أظنها تغلب، تسكن نواحي بادية الشام والجزيرة منذ الجاهلية. القبيلة هذه مسيحية، وبهذا صار عليها أن تدفع الجزية عندما فتح المسلمون بلاد الشام.

فهم أبناء القبيلة الجزية على أنها مهينة ويدفعها من هو صاغر، وهذا ما يأبونه تماما. جاء محاسب الوالي وحسب ما عليهم أداءه فرفضوا الدفع طالما هي جزية وإذعان. لكنهم كانوا يقبلون أن يدفعوا الأموال إذا لم يكن اسمها جزية واقترحوا أن يدفعوها على أن يكون اسمها صدقة. هنا تبرز العقلية العربية. الخليفة نفسه وهو عربي طبعا قبل بهذا الحل وقال ما معناه أن المهم أن يدفعوا الأموال وليسموها ما شاؤوا.

أينما أنظر أجد ناسا يهتمون بالأسماء أكثر مما هو مادي وملموس فأتذكر قبيلة تغلب. تذهب إلى السوبرماركت وترى شابا يافعا يمسك بثمار الليمون الحامض بعناية ويمسحها ويرصها على الرف. وترى على صدره بطاقة تعريفية تذكر اسمه وتصفه بأنه “المسؤول الأعلى عن ثمار الليمون وبعض الحمضيات”.

أنا متأكد أن هذا الشاب طالب بزيادة في راتبه لكن أصحاب العمل رأوا أن الأفضل أن يرفعوا من قدر لقبه الوظيفي لا من راتبه، وهو الخيار الأرخص.

تجد شبابا كهؤلاء في ماكدونالد وستاربكس وغيرها من المحلات ذات العمالة الشابة. كل عنده لقب رنان وأخاذ: هذا مشرف أعلى وذاك مستشار أقدم وهذا رئيس قسم وعملهم لا يزيد عن نقل القهوة إلى الزبون أو مسح الطاولات. ولعل هناك الملايين من المساكين قرأوا الأوصاف الرائعة في عنوان الوظيفة وتقدموا لها وصدموا بتدنيها مقارنة بالإعلان.

والبدع لا تنتهي ولا تعرف حدا. الآن يشهد العالم موجة ألقاب فضفاضة من نتاج مخيلات متألقة في استنباط اللقب الرنان. قرأت إنهم في أميركا صار عندهم وظيفة “فني تعزيز الشفافية” وهو لقب جديد لمنظف النوافذ. أو فتاة لقبها الوظيفي “مسؤولة الانطباع الأول” وهذا يعني أنها موظفة استقبال بسيطة، أما “مستشارة التغذية في المعاهد التعليمية” فهي طباخة في مدرسة.

ويبدو أنه كلما تسامى اللقب كلما تدهور الموقع. وإذا كنت جالسا في مطعم أو مقهى ورأيت رجلا يحمل على صدره بطاقة تعريف تقول “رئيس جمهورية الكون”، فاعلم أنك إزاء ماسح الطاولات.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر