الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الضوء الأحمر

الألم إذا ما حل في جسد أو نفس يغدو ملازما للتوجس والانسحاب والتقهقر.. وتغدو مساحة التحرك خارج الجسد والنفس مقتصرة على المنطقة الآمنة التي يرسم حدودها ذلك الوجع المسبق واستباق التفاصيل.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/10/04، العدد: 10771، ص(21)]

يصغرها بعشر سنوات.. بيد أن فيض رجولته كان قد طغى على كل ما تبقى في داخلها من مقاومة.. وفاض نهر أنوثتها التي حرصت أن تخبّئها دهرا دون العالمين.. بعد أن هجرها الزوج وكبر الأبناء..

لم تكن الرجولة وحدها سببا.. ولا حرمان الجسد.. كان لافتقاد المشاعر وافتقاد الوطن والوحدة والغربة أن يجعلوا من لحظة لقائهما شعلة عصية على الانطفاء.. ولم تكن محاذيرها التي ورثتها من الأسرة والأهل وتقاليد الأرض التي جاءت منها لتجعل من تلك السنوات التي باعدت بين عمريهما حاجزا دون ذلك اللقاء.. فقد تم اللقاء وكفى.. وانتصرت كيمياء المحبة أخيرا بعد صراع دام طويلا بينها وبين هواجسها.. فالألم اذا ما حل في جسد أو نفس يغدو ملازما للتوجس والانسحاب والتقهقر.. وتغدو مساحة التحرك خارج الجسد والنفس مقتصرة على المنطقة الآمنة التي يرسم حدودها ذلك الوجع المسبق واستباق التفاصيل.. ولذلك جدا يشبّهون المنسحب بذلك الطير الذي قصوا جناحيه ونتفوا ريشه ليغدو تحليقه مستحيلا وحسرته بحجم سماء..

هكذا كانت مشاعرها وهي تتحسس بمجسات الأنثى اهتمامه وتقرّبه.. كانت تهجس صوت زقزقات تهمس في داخلها ورفيف أجنحة كانت تتعالى يوما بعد يوم.. بيد أن وحش والتوجس كان أقوى فكان يقمع بيد من حديد أي محاولة لحب الحياة كانت تنمو داخلها.. فلمن الغلبة في النهاية؟.. ومن سيكسب تلك المعركة التي حسم نتائجها الخوف من الخسارة والاندحار داخلٌ موجوعٌ عانى ما عاناه ليخرج من أزمات مجنونة قضت على حياته أو كادت.. حتى أصبح الجسد واهنا والروح كتلة من هياكل هشة تتداعى عند أول عثرة..

“فهل أدمنتك أوردتي إلى هذا الحد لأعود اليك أيها الحب؟”.. هكذا كان حوارها لذاتها يعاتب ويجلد “تعافيتُ منك ولن أعود إليك.. ها أنني أرى العشاق في كل مكان.. يمرحون ويتقافزون ويتبادلون الهمسات والقبلات.. وأنا أخشى حتى أن أطيل النظر.. أُشيح بوجهي خشية انفعال أو تردد أو ضعف.. بلى إن الحب ضعف فلا يتشدق أحدكم لينعته بالقوة.. إنه خراب وموت وسريرُ مرض لا يتعافى منه إلا الأبطال المقامرون.. وأنا لم أعد تلك المقامرة.. لقد وهن العظم مني واشتعل القلب شيبا.. فمن هذا الذي يطرق باب قلبي بأصابع اهتمامه؟.. من هو هذا اليافع الذي يضج شبابا ورجولة وألقا؟.. من أنت لتحرك كل مواجعي بفيض المحبة ذاك؟.. الهجر والبعد والانسحاب جريمة لا يعاقب عليها القانون لأن القانون لا يحمي المغفلين.. والعشاق مغفلون.. ويحق للعاشق القتل ولا يحق للمقتول أن يعترض!.. وأنا لن أكون عاشقة مغفلة بعد الآن.. ولكن مهلا.. ألن أستطيع أن أحيا بحب دون أن أموت حبا؟.. ألم أصبح اليوم أقوى بعد كل تلك الصدمات؟.. ألن أستطيع أن أعشق بلا غفلة واستغفال؟”.

وكانت إرادة الحياة فيها أقوى.. فانتصرت في النهاية على فكرة الاستسلام للسبات وموات المشاعر.. وانتصر تمازج الأرواح على فكرة التلفت والتشكك وهاجس الخوف المسبق من الفقد والألم.. وفي النهاية وبحسب نزار قباني “لم يقف الحب على الضوء الأحمر”..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر