الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

أمة الـ'تيك أواي'

الناس عندنا لم يفطنوا إلى أننا أمة تيك أواي ويظنون أنها، مثل الديليفري، بدعة غربية ويذهبون إلى المطاعم رغم أن عندهم في البيت أطعمة جيدة أو عندهم في الثلاجة مكونات وجبات شهية.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/10/10، العدد: 10777، ص(24)]

الأكل مناسبة اجتماعية وليست فردية أو وحدانية. أي أنها لا تشبه الاستحمام أبدا، رغم أن هناك حالات استحمام جماعي في الجاكوزي الياباني والسونا الإسكندنافي، لكن الاستحمام يظل في أساسه فعالية فردية مضجرة تبعث على الكآبة. كل هذا محل اتفاق وإجماع.

لكن كون الأكل مناسبة اجتماعية لا يعني أن الإنسان يستمتع بالمطعم. إن الأكل اجتماعي بمقدار ما أن الصحبة على مائدة الطعام هي صحبة أصدقاء وأحبة دون وجود طاولات أخرى تتطلع فيك وتستمتع إلى هذرك وثرثرتك.

المطعم ليس من ثقافتنا. نحن أصحاب حضارة مدونة ومرصودة بتفصيلاتها اليومية. نحن مثلا نعرف رئيس الكناسين في بغداد في القرن التاسع (اسمه نوفل لمن يريد أن يعرف). التدوين لدينا ليس حكرا على أخبار ذوي الشأن من القادة والأمراء، بل يشمل الكناسين ومرقصي القرود والحلاقين والمخنثين وحتى باعة الثلج. في كل هذا التدوين الدقيق والواسع لم أقرأ عن مطعم ولا حتى في ألف ليلة وليلة أو عند التنوخي. هناك “تيك أواي” دائما. الناس إما يطبخون في بيوتهم وإما يبعثون بغلام إلى السوق ليشتري سمكا مقليا مثلا ويعود به ليؤكل في البيت.

الناس عندنا لم يفطنوا إلى أننا أمة تيك أواي ويظنون أنها، مثل الديليفري، بدعة غربية ويذهبون إلى المطاعم رغم أن عندهم في البيت أطعمة جيدة أو عندهم في الثلاجة مكونات وجبات شهية. ومنذ دخولهم المطعم إلى الانتهاء منه تتوالى المنكدات.

أولا يجلسونك حيثما يشاؤون هم لتسهيل حركة الجرسون ولا اعتبار لذوقك في اختيار المكان. وما أن تجلس وتنفق نصف ساعة في انتظار أن يحن عليك الجرسون بنظرة حتى تشم رائحة شيء يحترق وتكتشف أنها أعصابك.

يأتي الجرسون ليسألك سؤالا لا يوجد أسخف منه. يقول بأدب مفتعل “هل تريد أن ترى قائمة الطعام؟” هنا تدمدم مع نفسك “وكيف لي أن أطلب طعاما إذن؟ يبدو أن الأفضل هو أن أنظر إلى اللطخ على ثيابك وأخمن ماذا طبختم اليوم".

بعد واقعة الجرسون ووفود الطعام، بعد انتظار، يأتي جرسون آخر عجيب بيده طاحونة فلفل أسود خشبية جبارة يبدو أنهم سرقوها من بيت أحد العمالقة. يسألك الوافد الجديد ذو الفلفل الأسود “هل تريد شيئا من الفلفل على طعامك؟”.

لا يهمني كيف خطط هذا الرجل لمستقبله وكيف اختار مهنته. الذي يشغلني هو أنهم إذا أرادوا استبداله ماذا يكتبون في الإعلان في وصف الوظيفة الشاغرة، مطلوب طحان فلفل أسود، مثلا.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر