السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

الحلاق والروائي

الزيغ المتراسل لعمل الحلاقين المعاصرين عن النموذج الجمالي المأثور، وإمعانهم في كسر الصورة النمطية للتناغم والانسجام يستدعيان إلى أذهاننا إلى حد بعيد ظلال ما يحدث من عاهات في عوالم الرواية العربية اليوم.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/10/11، العدد: 10778، ص(15)]

في حكاية “الشاب والمزين البغدادي” من ألف ليلة ليلة، يتسبب الحلاق المولع بالحكي في عاهة لزبون كان على موعد مع جارية يعشقها، وتدور مجمل تفاصيل الحكاية الهزلية عن سعي الشاب إلى التخلص من سطوة المزين، الذي حول عمله إلى ذريعة للفضفضة والخوض في المعاني، في سياق يفترض فيه الخوض في الشكل فقط، بقص الشعر والعناية بمظهر الوجه. وملثما يحدث عادة حين يناقض القصد الوظيفة، والأداء الصنعة، تنجم عاهة في المحصلة، وهو ما مثلته الحكاية في عرج الشاب المنكوب بنهم الحلاق إلى السرد.

تلخص هذه الحكاية رصيدا هائلا من الصور النمطية التي أنتجتها العديد من الأجناس السردية عن حمق الحلاقين وثرثرتهم البلهاء، وتوقهم إلى تخطي عتبات الصنعة الشكلية إلى الدخول في عوالم الذهنيات، من نص “المستطرف” للأبشيهي، إلى أفلام شارلي شابلن، حيث يمثل الحلاق بوصفه آلة للسرد تفضي إلى أعطاب وعاهات مزمنة.

والحق أنه لا يمكن أن نستبعد، على نحو كلي، عمل الحلاقين عن صنعة الروائيين والسرّاد بمختلف تلاوينهم، فالحكاية ليست في جوهرها إلا قصا وتشذيبا للمواقف والوقائع المتواترة في الذاكرة، والأفكار والعواطف المتصلة بها، لإخراجها في هيئة صورية أخاذة. مهارة تتقاطع في تفاصيل أدائها مع صيغ قص وإبراز القسمات بما يتناسب وشكل الوجه في صالونات الحلاقة. ومن ثم فإن الخروج من نسق التناسب الشكلي إلى نسق التناسب الرمزي يورث التشوهات الصادمة.

وتأسيسا على هذا الافتراض فإن الزيغ المتراسل لعمل الحلاقين المعاصرين عن النموذج الجمالي المأثور، وإمعانهم في كسر الصورة النمطية للتناغم والانسجام يستدعيان إلى أذهاننا إلى حد بعيد ظلال ما يحدث من عاهات في عوالم الرواية العربية اليوم، تلك التي شهدت طفرة كبيرة بعد انتفاضات ما سمي بالربيع العربي، وما أعقبها من بروز مطرد لروائيين جدد، وقراء مدمنين، وناشرين مأخوذين بفائض القيمة، وما تلا ذلك كله من تولع صاعق بـ”اللوك الجديد” وبالفضفضة والغرائبية، ولو أفضى الأمر إلى التسبب في فواجع.

لكني أتمثل الأمر أحيانا على نحو لا يخلو من طرافة حيث أن الخروج على النموذج الكلاسيكي للوجه المقصوص الشعر، إلى الاجتهاد الما بعد حداثي في تنويع المسافة بين طول الخصلات، وإبراز شطحها، وتداعيها، فيه اختراق يغري بالنظر، لا تحتاج الرواية دائما إلى أن تكون مكللة بأحداث في كل أنحائها، قد يكون لمشهد فيزيولوجي ما في فصل مركزي أو لفائض كلام عن الثورات على السطح وخارج التسلسل الحلقي ما يوحي بالنتيجة، بشيء شبيه باجتهاد الحلاقين في إبراز الخصلات خارج القاعدة وتركها تستثير الأعين الزائغة.

المعنى في النهاية لا يحتمل أكثر مما تضمره حكاية الشاب والمزين البغدادي.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر