الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

كاتالونيا وخيار الاستقلال 'المعلق'

لم تتخل كاتالونيا عن حلم الاستقلال ولكنها تخلت عن وهم الاستقلال الأحادي في منطقة ذات اعتبار للقوانين والدساتير وللعقد الاجتماعي، ومهدت نحو استقلال يحظى بالتوافق مع الشركاء الإسبان والأوروبيين.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/10/12، العدد: 10779، ص(9)]

اختار رئيس إقليم كاتالونيا في خطابه الذي ألقاه الثلاثاء أمام برلمان الإقليم، خيار المهادنة وإمساك العصا من الوسط والسعي إلى إرضاء الجمهور الكاتالوني الذي صوت لصالح الانفصال من جهة، دون استجلاب للمزيد من الغضب المدريدي والأوروبي حيال خطوة الاستفتاء.

اتصالات مكثفة جمعت رئيس إقليم كاتالونيا كارليس بوتشيمون بكافة المسؤولين الإسبان والأوروبيين، بعضها كان على شكل اقتراح وساطة والبعض الآخر كانت دعوات للتهدئة، وهو ما دفع بوتشيمون إلى تأخير خطاب “الاستقلال” نحو أكثر من ساعة وما دفعه أيضا إلى تغيير مضمون الخطاب من محتوى إعلان استقلال إلى استقلال معلق إلى حين الاستشارة مع مدريد.

هو إذن الخيار الثالث الذي تعتمده برشلونة اليوم، فلا هي تعلن الانفصال والتمرد التامين عن دولة مركزية رافضة لهذا الأمر مع ما قد يستثيره من غضب أوروبي تدفع كاتالونيا فاتورته غاليا، ولا هي تقف عند حدود إجراء الاستفتاء دون تكريس لإرادة جماهيرية بتأسيس الدولة الوليدة.

لم تتخلّ كاتالونيا عن حلم الاستقلال ولكنها تخلت عن وهم الاستقلال الأحادي في منطقة ذات اعتبار للقوانين والدساتير وللعقد الاجتماعي، ومهدت نحو استقلال يحظى بالتوافق مع الشركاء الإسبان والأوروبيين.

باختيار بوتشيمون لمقاربة “الاستقلال المعلق” حتى الحوار مع مدريد وبروكسيل، يكون بذلك قد وضع الدولة الإسبانية بين خيارين؛ فإما القبول بإكراهات الانفصال الهادئ والسلس على اعتبار أنه خيار التجمع الكاتالوني وهو بذلك أساس الحوار ونهايته أيضا، وإما مقايضة التعليق بخيارات كبرى وجوهرية مثل خيار الدولة الفيدرالية التي يدعو إليها الحزب الإسباني اليساري.

الحوار المفترض بين مدريد وبرشلونة يحمل في طياته مقولة التغيير الحتمي، فإما أن تتغير الدولة الإسبانية من دولة ملكية مركزية دستورية إلى فيدرالية يحوز بمقتضاها إقليم كاتالونيا العديد من الصلاحيات التشريعية والتقريرية، وإما أن يتغير الاتحاد الأوروبي فيقبل بولادة دول جديدة تنضوي للنادي العجوز، وإما أن تتغيّر مطالب الكاتالونيين من استقلال فوري باهظ الثمن، إلى شبه استقلال بصلاحيات واسعة سيفضي إلى الانفصال التام.

تبدو مدريد أقرب إلى رفض شروط الحوار منها إلى الجلوس على طاولة التفاوض مع دعاة الانفصال. يرفع رئيس الوزراء ماريانو راخوي الفيتو في وجه أي حوار على حساب الجغرافيا الوطنية والهوية الجامعة والتاريخ الإسباني. تؤكد مدريد عبر هذه المسلكية أنها لم تحل بعد مسألتها الثقافية واللغوية وأنّ الديمقراطية السياسية والاجتماعية لم تبلغ بعد مستوى الديمقراطية الثقافية واللغوية في الدول القومية على شاكلة ألمانيا وفرنسا.

صحيح أن الليبرالية المنتهجة في الكثير من الدول الغربية أسست لحرية التجمع المدني والضمير والرأي، وأصلت للحرية الاجتماعية والاقتصادية ولكنّ إضافتها في مستوى الليبرالية الثقافية واللغوية وخاصة في ملف الأقليات ضعيفة جدا.

وهنا تجتمع النماذج الغربية والعربية في نقطة الاستعصاء والحساسية في التعامل مع ملفات المطلبية الحضارية والرمزية للخصوصيات الثقافية المغايرة للأكثرية.

وبكثرة الأمثلة الموجودة في الجغرافيا العربية والغربية والآسيوية، تسقط المقولة التآمرية التي تحصر تحريك الأقليات صلب الوطن العربي في محرك إقليمي ودولي يسعى إلى التخريب العمراني والإنساني والتمزيق الجغرافي.

ذلك أن التآمر الغربي على الوطن العربي بالأقليات وبغيرها حاضر وموجود وفاعل أيضا، ولكن غلق المقولات التحليلية بإرجاعها إلى فاعل واحد مجانب للتفسير، كما أن تبرئة الفاعل الرسمي من استحقاق الإصلاح الثقافي الذي يصب في مقولة المواطنة منافية لجوهر المنطق.

المفارقة أن ذات أسباب تراجع بوتيشمون عن إعلان الاستقلال الكامل في 10 أكتوبر الجاري، هي نفسها محفزات الدعوة إلى الاستفتاء، فتحكيم تقرير مصير الشعوب لن يقف عند تخوم إقليم كاتالونيا.

يدرك بوتشيمون أن فرنسا التي تدعم الأقليات في سوريا والعراق وصنعت أقليات قومية في المغرب العربي لن تقف مكتوفة الأيادي عند وصول الانفصال إلى أرضها في كاتالونيا أو الباسك أو الكورس، كما يعرف أن إيطاليا لن تسكت عند وصول المد الانفصالي إلى إقليم بادانيا في شمالها.

وقد يكون الحوار الذي أعلنه بوتشيمون مع مدريد هو حوار باريس مع أقاليمها المضطربة ومفاوضات أوروبا مع أقلياتها المتمردة، وما أكثرها في القارة العجوز العاجزة في أكثر من ملف.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر