الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

مسؤولية الآباء في تحديد الهوية الجنسية للأبناء

رغم كل هذه القشرة التي غلفت سلوكي الخارجي إلا أن مشاعري وأحاسيسي ورغباتي ونزعاتي كانت لامرأة بلا أدنى شك، ولم يحدث أن التبس عليّ الأمر لحظة، أو شككت لوهلة في هويتي الجنسية.

العرب لمياء المقدم [نُشر في 2017/10/12، العدد: 10779، ص(21)]

في صغري كان أبي يعاملني معاملة الأولاد ويأخذني معه إلى المقهى لأعوضه بضع ساعات عندما يكون مجبرا على قضاء مهام عاجلة، ظللت على هذه الحال حتى بلغت الخامسة عشرة تقريبا.

كنت أقص شعري إلى ما فوق أذنيّ ولا ألبس إلا البناطيل، وكان رواد المقهى ينادونني باسم أبي ويعاملونني كأنني صبي ولم أتعرض طوال هذه السنوات لأي نوع من التحرش أو التجاوز بأي شكل من الأشكال، بل كنت أشعر على العكس من ذلك، أن الجميع يحترمني لأنني حللت محل الابن الذكر بالنسبة لأبي.

وعندما نبت لي نهدان حنيت ظهري أشهرا طويلة لأخفيهما عن أبي فيمنعني من زيارته في المقهى، إلى أن كان يوم ارتديت فيه قميصا مرسومة عليه صورة الملاكم بروسلي، وبسبب هذه الصورة انتبه أبي لما أخفيته عنه، وطلب مني ألا آتي لزيارته في المقهى بعد ذلك اليوم. تسبب الانحناء المستمر في تقوس ظهري، وشوه جلستي سنوات طويلة، وهو ما لم أعالجه إلا مؤخرا.

نجوت رغم ذلك من التباس الهوية الذي كان من الممكن أن يترتب عن هذه المعاملة، لأسباب لا أعرفها، ربما بسبب تقليدي لأخواتي البنات الأكبر مني أو بسبب أختي الأصغر مني التي أجبرني تعلقها بي ولعبها معي على الحفاظ على مواصفات البنات، لكن الكثيرين لم ينجوا.

أخبرتني أمي أن أبي كان ينتظر ولدا عندما كانت حاملا بي، ولم يستطع أن يتقبل فكرة أن المولود بنت فأصر، في ما يشبه النكران، على معاملتي معاملة الأولاد إلى أن بلغت سن المراهقة، ووجه أبي بالحقيقة البيولوجية الصادمة وهو يراني أتحول إلى فتاة ثم امرأة، مما اضطره أخيرا إلى الرضوخ والقبول بالواقع.

كبرت رغم ذلك دون عقد ودون شعور بأي نوع من الظلم أو أنني كنت ضحية لمعاملة غير سوية. تصرف أبي وفق دوافع داخلية فرضتها عليه عدة عوامل من بينها مثلا أن الولدين الوحيدين اللذين أنجبهما مع سبع بنات، أحدهما سافر ليدرس في الخارج والثاني مريض.

أذكر أن أحد أخوالي غضب مرة من أبي ودعاه إلى إعادة النظر في هذه المعاملة، تحديدا بسبب شكل شعري الذي لم يكن يختلف كثيرا عن أي ولد في العائلة. كنت أحب لعب الكرة وتسلق الأشجار مع الأولاد، أمشي مشيتهم وأتصرف مثلهم عندما أجلس أو أتكلم.

بقيت بعض هذه الصفات ملتصقة بي طوال حياتي، ولاحقا عندما كبرت ودخلت الجامعة ثم أصبحت زوجة وأما، واجهت مواقف وانتقادات بسبب “حريتي” في الجلوس والكلام وبسبب منافستي للرجل حيث لم أكن أرى فرقا بيني وبينه في الحقوق أو الواجبات ولم أقف منه أبدا موقف الضعيف الذي يحتاج إلى مساعدة.

ورغم كل هذه القشرة التي غلفت سلوكي الخارجي إلا أن مشاعري وأحاسيسي ورغباتي ونزعاتي كانت لامرأة بلا أدنى شك، ولم يحدث أن التبس عليّ الأمر لحظة، أو شككت لوهلة في هويتي الجنسية.

مجرد حظ ربما، لأن أغلب الذين يعانون من لَبْس الهوية والميولات الجنسية يرجعون الأمر إلى معاملة الأهل في الصغر، أو لوجودهم في بيئة حتمت عليهم سلوكا شاذا، كأن يتربى فتى داخل عائلة كل أفرادها بنات أو العكس.

لقد نجوت، ومن مكاني هذا، من تجربتي التي مرت، صدفة، بسلام أرجو من الآباء أن ينتبهوا إلى طريقة معاملتهم لأبنائهم وبناتهم، وألا يعكسوا المعاملة مهما كانت الدوافع والمبررات قوية، ومهما كانت النوايا سليمة.

كاتبة تونسية

لمياء المقدم

:: مقالات أخرى لـ لمياء المقدم

لمياء المقدم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر