الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

قطر ولعبة التوازن مع الكبار

قطر تحت حماية الحرس الثوري الإيراني ووزير الخارجية الإيراني يحذر المملكة العربية السعودية من توجيه أي تهديد للدوحة. ماذا تفعل الرياض أكثر من مقاطعة دولة تبيع وتشتري بدماء الفقراء العرب.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/10/15، العدد: 10782، ص(5)]

تساءل مسؤول أجنبي مؤخرا كيف نرى الدول العربية مهتمة بإعادة تأهيل بشار الأسد، فالعرب غير مهتمين بإعادة تأهيل بشار الأسد، والسؤال يجب أن يكون موجها تحديدا لدولة قطر التي حرضت السوريين الفقراء وقدمت لهم الدولار والسلاح ودعمت التنظيمات الإرهابية في بلادهم بحجة الصراع السني-الشيعي والعدو الفارسي.

قطر تحت حماية الحرس الثوري الإيراني ووزير الخارجية الإيراني يحذر السعودية من توجيه أي تهديد للدوحة. ماذا تفعل السعودية أكثر من مقاطعة دولة تبيع وتشتري بدماء العرب؟

نجحت المملكة، وجمعت صداقة روسيا وأميركا ويبدو وضعها اليوم أفضل بكثير من إيران التي تعاني من تهديدات أميركية وعقوبات مقبلة. ويبدو حال السعودية بعد مقاطعة الدوحة بألف خير. إن المشروع السياسي الإسلامي يتراجع فالسعودية تتجه نحو تقوية الدولة وعقد صفقات اقتصادية دولية. لقد تم تحقيق إنجازات مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة والترحيب بالفنون بينما قطر عاجزة عن الاستمرار في دعم المنظمات الإرهابية والمشاريع الدموية.

نريد طرح سؤال مهم هو منذ متى هذه العلاقات الوثيقة والتآمر على المنطقة بين قطر وإيران؟ لم تتفاجأ وزارة الخارجية الإيرانية بعودة العلاقات الدبلوماسية مع قطر قبل أسابيع، والتي قُطعتْ شكليا تضامنا مع السعودية بعد حادث الاعتداء على بعثاتها الدبلوماسية في إيران. تبدو العلاقات الإيرانية القطرية ذات تاريخ طويل وأعمق من اختصارها بحدث عابر.

عام 1987، وبينما الحرب العراقية الإيرانية مشتعلة زار وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر ولايتي قطر، ثم كرّر الزيارة عام 1988. وقام وزير النفط الإيراني غلام رضا أغازاده بزيارة الدوحة عام 1990 ليناقش لأول مرة حقيقة أن البلدين يشتركان في حقل غاز واحد، وتم اقتراح خطة مشتركة قيمتها 3 مليارات دولار تم تقديمها على الفور في العام ذاته.

وكدليل على تطور العلاقات استأنفت قطر التبادل التجاري ونقل المسافرين نحو ميناء بوشهر الإيراني منذ عام 1991، وفي نهاية سنة 1991 قام الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بزيارة مهمة إلى إيران استمرت لأربعة أيام تحدث فيها عن رغبته لعودة العلاقات السعودية الإيرانية وكانت حجته بأن إيران يجب أن يكون لها رأي في الترتيبات الأمنية للمنطقة بعد أزمة الخليج.

ناقش الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في تلك الزيارة خطة طموحة لمشروع قيمته 1.5 مليار دولار لمد أنبوب طوله 770 كيلومتر لنقل الماء العذب من نهر كارون إلى قطر. وفي نفس السنة، زار وزير الدفاع الإيراني أكبر توركان زار قطر لمناقشة الترتيبات الدفاعية المشتركة بين الدوحة وطهران. وعام 1992 زار الدوحة نائب الرئيس الإيراني حسن حبيبي، كما استقبلت في ذات العام وزير الداخلية الإيراني.

عام 1993، قضى وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم أسبوعين كاملين في إيران. وتأتي كل هذه الزيارات والتطورات في العلاقة في سياق مسعى قطر لاستغلال الظرف بعد وفاة الخميني سنة 1989 وصعود قيادة براغماتية جديدة، والتحرك بسرعة بهدف واحد هو عقد صفقة حول حقل الغاز الطبيعي الضخم الذي تتقاسمه قطر مع إيران.

خلال الأزمة الحدودية بين قطر والسعودية عام 1992، ردّت الدوحة بعملية انتقامية حيث وقّعت مع إيران عقدا قيمته 13 مليار دولار لإصلاح موانئها وطرقاتها وشواطئها. ودون خجل طالبت قطر بحماية إيرانية من المملكة العربية السعودية. وبعد الانقلاب القطري عام 1995 هددت إيران بإرسال 30 ألف مقاتل لحماية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. استخدمت الدوحة علاقتها بإيران لابتزاز الولايات المتحدة منذ البداية. فقد كانت الرسائل القطرية واضحة وهي إذا لم توفر واشنطن الحماية لقطر فإيران مستعدة لتوفيرها.

عام 2006، صوّتت قطر ضد قرار مجلس الأمن 1696 الذي يدين إيران بسبب برنامجها النووي وسعيها لتخصيب اليورانيوم. مرّ القرار الدولي بسهولة، ولكن قطر أوصلت رسالة قوية للعالم عن دعمها الدبلوماسي لطهران. وبعد هذه الحادثة بعام واحد امتنعت قطر عن التصويت لصالح القرار 1757 الذي عين لجنة تحقيق دولية تبحث اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري. وأثلج ذلك السلوك صدر طهران.

عام 2007، قامت الدوحة بدعوة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلى الاجتماع السنوي لدول مجلس التعاون الخليجي، وكانت تلك المرة الأولى التي يحضر فيها رئيس إيراني إلى ذلك الاجتماع المهم، الأمر الذي أزعج بقية الأعضاء في المجلس.

منذ عام 2008، والتقارير تصل عن مساعدة سنوية لحزب الله تقدمها قطر وقيمتها 100 مليون دولار. وفي عام 2009 زار الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إيران برفقة رئيس الأركان القطري وفي تلك الزيارة وقّعت الدوحة مع طهران اتفاقية دفاع مشترك وتعاون أمني.

ومنذ احتلال العراق عام 2003، وقطر تقدم خدماتها للأعمال العسكرية الأميركية التي تنطلق من قاعدة العديد إلا أنها في نفس الوقت تقوّي علاقتها بإيران والمنظمات الإرهابية، وتقود خطابا إعلاميا عبر قناة الجزيرة يحرض على قتل الأميركيين. وتعطلت العمليات في قاعدة العديد عدة مرات بسبب الشغب القطري، وأصبح واضحا لدى الولايات المتحدة أن قطر ليست الحليف الذي يمكن الوثوق به. من جهتها كانت قطر تكرر بأنها دولة صغيرة وتبحث عن توازن في علاقاتها بين الدول الكبرى.

كمثال على حالة اللعب على الحبال؛ حين كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عام 2010 تلقي خطابا قويا ضد السياسة الإيرانية من منتدى الدوحة العالمي، كانت قطر، في الأثناء، تعطي الموافقة لأسطول من السفن الحربية الإيرانية ليرسو في موانئها. الأمر كان محرجا للولايات المتحدة لأن التلفزيون الإيراني أعدّ تقريرا عن هذا الأمر من باب السخرية من ضيفة الشرف هيلاري كلينتون وخطابها الناري ضد طهران.

رفضت الدوحة طلبا من إدارة الرئيس جورج بوش لإغلاق البنوك الإيرانية ومنعها من العمل في الدوحة. ورغم أن القرار الأميركي الصادر من وزارة الخزانة يقضي بعدم السماح بفتح بنوك جديدة، فإن قطر كررت مواقفها المخيبة للآمال حين سمحت بفتح فرع جديد للبنك الإيراني عام 2008 في نفس اليوم الذي استقبلت فيه الدوحة وزير الخزانة الأميركية حينها هنري بولسون.

أبدى سفير الولايات المتحدة لدى قطر في ذلك الحين جوزيف ليبرمان استغرابه وقال إن هذه سياسة غريبة ولا يعتقد أنها ستكون مقنعة لا للولايات المتحدة ولا لإيران ولا للسعودية، وهي فقط جزء من جنون الدوحة بفكرة كونها دولة صغيرة وتسعى إلى “التوازن” السياسي بين أميركا وإيران والسعودية. ودون خجل رد الشيخ حمد بن جاسم حين سألوه عن خطابات المودة والعهود بين بلاده وإيران قائلا “هم يكذبون علينا، ونحن نكذب عليهم”.

لقد حقق العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إنجازات كثيرة ولكن أهم انجاز في رأيي هو مقاطعة قطر ووقف خطاب الكراهية في المنطقة.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر