الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الظواهري ينفخ في رماد القاعدة

الخروج المتأخر لأيمن للظواهري يدل على عمق الأزمة التي بات يمر بها تنظيم القاعدة الذي بدا أن الأحداث تجاوزته بمسافة كبيرة خلال العامين الأخيرين.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/10/16، العدد: 10783، ص(13)]

صورة باهتة تحاول تلميع نفسها

بعد أشهر عدة من الصمت حيال مسألة فك الارتباط بين تنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري، وتنظيم جبهة النصرة (جبهة فتح الشام حاليا) بزعامة أبي محمد الجولاني في يوليو من السنة الماضية، أطل أيمن الظواهري برأسه في تسجيل صوتي جديد عنوانه “سنقاتلكم حتى لا تكون فتنة”، في محاولة أخيرة لإنقاذ تنظيمه من الغرق والدفع به إلى الواجهة بعدما أفل نجمه لفترات طويلة.

وقد تعمد الظواهري إرفاق الشريط الذي ظهر يخطب فيه بصور لأسامة بن لادن مؤسس وزعيم القاعدة السابق الذي قتل في غارة أميركية في باكستان في مايو عام 2011، إذ هو في حاجة إلى إسناد مشروعيته إلى مشروعية الزعيم المؤسس الذي تتقاسم تركته مجموعة من التنظيمات الجهادية، بما فيها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” لأبي بكر البغدادي.

ولم يكن ذلك اعتباطيا، فالظواهري يرمي بذلك إلى تحقيق هدفين: الأول توجيه رسالة إلى الجماعات الجهادية بأن تنظيم القاعدة لا يزال الراعي الرسمي للخط الجهادي لبن لادن، أما الهدف الثاني فهو انتزاع هذا الرمز من تنظيم البغدادي عبر الإيحاء بأن أسامة بن لادن كان وسيظل زعيما لتنظيم القاعدة فحسب.

وجه الظواهري في الكلمة المسجلة انتقادا غير مباشر إلى جبهة النصرة، التي فكت ارتباطها بالتنظيم قبل عام وغيرت اسمها إلى “جبهة فتح الشام”؛ وهي تسمية ذات دلالة واضحة، مفادها أن تنظيم الجولاني لم يعد معنيا بالاستراتيجية التي يتبعها تنظيم القاعدة في ما يتعلق بشعار “الجهاد العالمي”، كما لم يعد معنيا بأطروحة القتال ضد العدو البعيد، أي الولايات المتحدة الأميركية والغرب، بل فقط بالساحة السورية أو “العدو القريب”، ولذلك فإن فك الارتباط الذي أعلن عنه الجولاني في العام الماضي لم يكن مجرد فك ارتباط تنظيمي مع القاعدة، بل كان أيضا فكا للارتباط المنهجي.

يدل هذا الخروج المتأخر لأيمن للظواهري إلى الأزمة التي بات يمر بها تنظيم القاعدة الذي بدا أن الأحداث تجاوزته بمسافة كبيرة خلال العامين الأخيرين.

الظواهري يريد استعادة إشعاع تنظيمه في المشهد الجهادي، والتذكير بأن له الفضل الأول في رفع "راية الجهاد" بقيادة بن لادن

فهو لم يعد يصنع الحدث الإعلامي، وفقد الكثير من بصماته في الساحة الجهادية، وتراجعت صورته إلى الوراء بكثير أمام الزحف الهمجي الذي حققه تنظيم البغدادي -الذي يوجد اليوم هو الآخر في مأزق- وساهم إعلان جبهة النصرة فك ارتباطها به في عزله عن الساحة الجهادية في سوريا وأطفأ بريقه، وهو ما يفسر تركيز الظواهري في التسجيل الأخير على مسألة البيعة “الشرعية” لتنظيم القاعدة.

فقد نفى أن يكون قد أقال أحدا من بيعته، وقال إن البيعة “عقد شرعي ملزم ويحرم نكثه. نحن نوفي ببيعاتنا، ولا نقيل ولا نستقيل”، وهي إشارة واضحة إلى جبهة فتح الشام التي لم يأت الجولاني، خلال كلمته العام الماضي حول فك الارتباط مع القاعدة، على ذكر قضية البيعة للظواهري، بل اكتفى فقط بتوجيه الشكر إليه على رعايته لجبهة النصرة منذ نشأتها أواخر سنة 2011.

ويبدو أن أيمن الظواهري يريد استعادة إشعاع تنظيمه مجددا في المشهد الجهادي بعد الخفوت الطويل، والتذكير بأن له الفضل الأول في رفع “راية الجهاد” بقيادة بن لادن، الذي أشاد به كثيرا في كلمته، مستعرضا صورا خلفية لمشهد من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة الأميركية لكي يؤكد أن المعركة مع الغرب لا تزال متواصلة. وفي هذا السياق انتقد الظواهري رفع شعار “قطرية الجهاد” معتبرا أن هذا الشعار أصبح “لا يستحيى منه”، في انتقاد مبطن لجبهة فتح الشام التي ركزت على الساحة السورية وتخلت عن برنامج القاعدة.

وقد ذكر مثال التحالف ما بين القاعدة وتنظيم طالبان في أفغانستان باعتباره نموذجا للتحالف بين الجهاديين، وهو تحالف في اعتقاده جمع بين البرنامج المحلي لتنظيم طالبان المتمثل في قتال العدو القريب أي الحكومة الأفغانية، والبرنامج العالمي لتنظيم القاعدة في قتال العدو البعيد أي المصالح الأميركية والغربية، ليتخذ منه ذريعة للدفاع عن بقاء الارتباط بين تنظيمه وجبهة فتح الشام، على أساس أن أهدافهما لا تتعارض.

تصريحات الظواهري تأتي في الوقت الذي أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إصابة زعيم جبهة فتح الشام، أبي محمد الجولاني، إصابات خطيرة في إدلب السورية في غارة روسية، وعن مقتل عدد من قيادات الجبهة، كما أنها تأتي في مرحلة يشهد فيها التحالف بين الكتائب الخمس، وهي جبهة فتح الشام وحركة نورالدين زنكي ولواء الحق وجبهة أنصارالدين وجيش السنة، تصدعا داخليا في أول تفكك له منذ إعلانه في يناير من العام الجاري.

ولذا يمكن اعتبار تصريحات الظواهري نوعا من التكتيك في لحظة تفكك الجبهة السورية للدفع بتنظيم القاعدة إلى الواجهة على أساس أنه التنظيم الأكثر قدرة على توحيد صفوف الجهاديين في إطار برنامج يجمع بين العالمي والمحلي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر