الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الحبال الطويلة والقصيرة

لدى الحديث عن الحبال ومناقبها يستحسن ألا نتخذ منهجا ونترك الحبل على الغارب، أي نتداعى ونجعل الفكرة تدعو الفكرة والحبل على الجرار.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/10/17، العدد: 10784، ص(24)]

ما أعرف لماذا يحظى الحبل بكل هذا الاهتمام في كل الحضارات. مسألة غامضة واهتمام لا يفوز به الكرسي مثلا رغم أن الكرسي نراه كل ساعة ونستخدمه كل يوم وكذلك الصحن. لا نرى الحبل إلا نادرا لكننا منشغلون به.

أذكر في طفولتي أني رأيت مظاهرة في بغداد يسودها هتاف “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة”. يعني: لن تكون هناك مؤامرة مادام هناك حبال. المعنى شرير والحبال هنا ليست لنشر الغسيل أو لربط القوارب بل للشنق أو السحل وربما استخدام شرير آخر. الشنق معروف لكن السحل بحاجة إلى توضيح.

السحل كان من وسائل العمل السياسي في العراق في نهاية الخمسينات ويقوم على فكرة بسيطة وهي أن تربط الخصم بحبل وتجره، أي تسحله، في الشوارع حتى الموت وبهذا تكسب المناظرة الفكرية وتتخلص من الخصم وصداعه.

وفي الجانب اللطيف من نعوت الحبل هناك شعر لسويد بن أبي كاهل يقول فيه “بسطت رابعة الحبل لنا—- فوصلنا الحبل منها ما اتسع”. وهكذا ترى الحبل يتحول من الشنق والسحل والشر إلى الوصل والود والعلاقة الطيبة.

ولدى الحديث عن الحبال ومناقبها يستحسن ألا نتخذ منهجا ونترك الحبل على الغارب، أي نتداعى ونجعل الفكرة تدعو الفكرة والحبل على الجرار.

في مصر يقولون إن المحاكم حبالها طويلة ولا نعرف ماذا يعنون. رأيت محاكم كثيرة ولم أر لها حبالا. أعتقد أنهم يريدون القول إن اللجوء إلى القضاء يستغرق وقتا. ويقال أيضا إن حبل الكذب قصير، لكن الكذب يأخذ وقتا طويلا في السرد، دائما أطول من الحقيقة، فالكذاب يورد أمورا تفصيلية.

وقرأت أن ولي عهد بريطانيا في مطلع القرن العشرين دعا نبيلا إلى القصر، أيام التلغراف، فجاءته برقية اعتذار يقول النبيل فيها “لن أستطيع الحضور وسأرسل الأكاذيب في رسالة عادية”. هذا لأن البرقيات سعرها بعدد الكلمات والكذب طويل ويستغرق المئات من الكلمات.

في العراق يقولون عمن مات إنه قرض الحبل. وهناك مثل فارسي يعجبني يقول إن أردت استعارة حبل الغسيل من جارك وقال لك لا نستطيع إعارته فنحن نستخدمه الآن لننشر عليه حبوب السمسم لتجف، فعليك أن تقبل الحجة لأن الحبل حبله ولا يريد إعارته.

تذكرت المثل الفارسي عندما راح مراسل صحيفة الغارديان في مطلع الثمانينات إلى تيرانا لمقابلة الرفيق أنور خوجة زعيم ألبانيا. ظل المراسل الإنكليزي في تيرانا ولم يقابله الرفيق أنور خوجة. انتظر وانتظر حتى كاد يزهق.

وفي ذات صباح موعود جاءته رسالة قصيرة من مكتب الرفيق خوجة إلى فندقه تقول “الرفيق أنور خوجة لا يستطيع أن يقابلك لأنه مشغول ببناء الاشتراكية”. الحجة مضحكة مثل نشر حبات السمسم على حبل الغسيل، لكنها كافية.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر