الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

شراسة مبدئية

حين رفض جون بول سارتر جائزة نوبل للآداب كان يفكر بمنطق نقدي يسعى إلى جعل هامش الانتشار غير مكدر بتأثيرات لا تدين في وجودها لجوهر العملية الإبداعية ذاتها.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/10/18، العدد: 10785، ص(15)]

المبدئية تقتضي وجود أشخاص قادرين على إثباتها، فلا مبدئية دون شراسة دفاعية، ولا معنى للمبادئ دون قدرة على صيانتها، فأن نتحدث عن مبدئيين يتنافى مع مفاهيم المرونة والتفهّم، وحتى الطيبة أحيانا. لهذا فالأيديولوجيا في النهاية تتنزل على الطرف النقيض من السياسة السياسوية، تلك التي تقتضي الانحراف والتجاوز والبراغماتية.

وفي حقل الكتابة تتجلى العقيدة الفكرية والثقافية بوصفها ركنا أصيلا في ممارسة تعبيرية ونقدية متراسلة، تستند إلى مواقف لا تقبل التنازل، ويسعى الروائي والشاعر والمسرحي والناقد إلى إشاعتها، وتعميمها وصيانتها من الاندثار، بصرف النظر عن مضمونها، يمينيا كان أو يساريا محافظا أو تقدميا دينيا أو علمانيا.

وحين رفض جون بول سارتر جائزة نوبل للآداب كان يفكر بمنطق نقدي يسعى إلى جعل هامش الانتشار غير مكدر بتأثيرات لا تدين في وجودها لجوهر العملية الإبداعية ذاتها، كان مرعوبا وهو في قمة مجده الفلسفي والأدبي، من أن يتحول رصيده القلق المولّد للأسئلة إلى مجرد مرحلة اسمية في محرقة الإعلام الثقافي. وكان يراهن في هذا الامتناع عن استلام أرفع جائزة أدبية عالمية، على صيانة مبدأ الاعتراف ذاته، وربطه بمناصرة القضايا العادلة وقيم الحضارة الحديثة.

وعندما لم يتردد خوان غويتيصولو في رفض جائزة القذافي العالمية، لم يتلعثم في التصريح بكون “القدر المالي المخصص للجائزة أتى من دولة استولى فيها القذافي على الحكم بانقلاب عسكري”، وأيضا لما اعتذر الروائي المصري صنع الله إبراهيم عن استلام جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي انطوت كلمته المعللة لهذا القرار على عبارات واضحة في مبدئيتها البسيطة والصعبة معا، حيث قال من ضمن ما قال، إنها صادرة عن سلطة “لا تملك مصداقية منحها”.

ويمكن أن نرى في مواقف الكتاب الثلاثة، مع اختلاف مراتبهم في الشهرة والتداول، نزوعا متماثلا إلى إثبات مبدئية لا تقبل الرضوخ لشهوة الاعتراف ولا تخلو من شراسة في عمقها، لأنها تناهض سلطا في النهاية، بيد أن ما يذكي قيمتها أنها صادرة من أفراد يملكون حرية الرفض، في الآن ذاته الذي يملكون فيه القدرة الرمزية والبلاغية الكافية لتبرير قبولهم، في سياق إعلامي كوني لا يأبه عادة بالتفاصيل، حيث تنزلت المبدئية بوصفها عتبة فاصلة بين الانتماء لذواتهم أو تخطيها إلى أقنعة مصطنعة.

يتبادر إلى ذهني دوما، وأنا أفكر في شراسة المبدئية، ذلك المشهد من فيلم ناجي العلي للمرحوم عاطف الطيب، حين يجد رسام الكاريكاتير الفلسطيني نفسه فجأة في حفلة عرس مرفهة، خارج السياق، لأحد زعماء فصائل الحرب في بيروت، فتكون هديته للمحتفلين هي أن يتبول على أشجار برتقالهم التي غرسوها نكاية في العدو الصهيوني.

كاتب مغربي

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر