الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

على خشبة المسرح

أجد مجموعة متحابة من عراقيين هواة متطوعين يتحركون بتناغم على إيقاع حوارات مسرحية أبدعتها أنامل الكاتبة العراقية حميدة العربي.. وتوجههم بإتقان ودربة عالية مايسترو العمل أحلام عرب.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/10/18، العدد: 10785، ص(21)]

كم كنت أتمناها وأرنو إليها من بعيد بإعجاب يشبه الوله أو العشق السري.. وكم كانت حلما شبه مستحيل في زمننا وواقعنا العراقي ذات طفولة غابرة من عمري.. فلا انتمائي لأسرة محافظة ولا تقبّل المجتمع كانا ليسمحا لي بتحقيق ذلك الحلم بالوقوف على خشبة المسرح.. بيد أن الظرف والعمر وتغيرات الحياة والمكان يمكن أن تأتي أحيانا بنتائج غير متوقعة.. وقد يتحقق حلم ما كنّا نسينا حتى وجوده..

بلى لقد حلمت أن أقف على خشبة المسرح.. حلمت هذا الحلم طويلا.. المسرح تحديدا.. فأنا لم أكن أحلم بالتمثيل أو أن أكون نجمة سينمائية.. لقد كان شغفي الأكبر هو المسرح.. وكنت أغبط الممثلين والممثلات اللواتي كن يقمن بأصغر وأكبر الأدوار.. وأتمنى أن أكون معهم وبينهم.. وإذ كان ذلك صعب المنال فقد كنت أعمد أن أكون صادقة على منبر الشعر وكأنني أقدم دورا حبيبا على قلبي في مسرح الحياة.. وأعلل النفس بأن ذلك كله فن في النهاية..

وحانت الفرصة فجأة بعد أن مرّ على الحلم ما يكفي من العمر ليجعله نسيا منسيّا.. فيبتدئ الأمر بلعبة.. أو بلهو عابر جميل يرطّب جفاف الغربة في منفاي الاختياري بلندن.. إذ رضخت أخيرا (قبل بضعة أشهر) لإلحاح صديقتي العزيزة أحلام عرب (وهي مخرجة وممثلة عراقية مبدعة).. بأن أنضم لفرقتهم المسرحية التي نشأت حديثا.. وقد أقنعتني بزيارة لموقع التدريبات للتعرف على الناس والأجواء..

وكان أن أزورهم في الموقع الذي تفضل المنتدى العراقي بلندن بمنحه للفرقة بضع ساعات في الأسبوع خارج أوقات الدوام الرسمي لأجد مجموعة متحابة من عراقيين هواة متطوعين (بينهم شاب صومالي ومعلمة إنكليزية) يتحركون بتناغم على إيقاع حوارات مسرحية أبدعتها أنامل الكاتبة العراقية حميدة العربي.. وتوجههم بإتقان ودربة عالية مايسترو العمل أحلام عرب.. كانت الأجواء غريبة في البداية.. فقد كنت أجد فيهم خلطة عجيبة بين صحافية ومهندسة وناشطة نسوية وخبيرة تجميل ومصممة أزياء وماجستير اقتصاد وطالبة دكتوراه.. وبين طبيب وموسيقي وفنان تشكيلي وطالب وموظف ومغني راب.. الخ. كانت المجموعة أكبر من توقعي بكثير.. تتباين أفكارهم وأعمارهم واختصاصاتهم وانتماءاتهم السياسية والاجتماعية والدينية.. بيد أن القاسم المشترك الذي طغى على كل شيء كان المحبة والحماس والإصرار على تقديم الأفضل..

وتكررت زياراتي.. وكنت أغيب معهم ما أن أدخل إلى ذلك المكان.. الذي صار أشبه بصومعة أثيرة.. فلا أغادره إلا وأنا أحسّ أنني خارجة من حلم.. كانت صلتي بالعالم الخارجي تنقطع بشكل شبه تام.. فأحسّ أنني أطير..

ويحدث أن تستمر التدريبات وينضم إلينا الممثل العراقي المبدع غالب جواد ليكون هو بطل العمل.. ولتتحول اللعبة عندي إلى التزام حقيقي لا جدال فيه.. حتى تحين اللحظة التي ترفع فيها الستارة وأكون وجها لوجه مع الجمهور وأنا ممثلة على خشبة المسرح!

ويحدث أن تنال مسرحيتنا “إحنه السبب” نجاحا كبيرا جدا.. تثني عليه الأقلام المختصة وتستقبله الجالية باهتمام كبير.. فيلمؤني الفرح والامتنان الكبير للعزيزة أحلام عرب التي حققت أحلامنا الصغيرة وجعلتنا نعتلي خشبة المسرح ونحن لسنا أكثر من هواة متحمّسين.. فنشعر بالامتنان لها ولأسرتنا الجديدة التي قوامها المحبة والمؤازرة والإصرار.. لتكون بحق تجربة رائعة تستحق الثناء..

شاعرة عراقية

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر