الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

وحدة العراق بمقاسات الحرس الثوري الإيراني

هل تحققت الوحدة العراقية أخيرا على مقاس المشروع الإيراني، برفع شعار عدم التفريط بشبر واحد من الأرض العراقية خارج سلطة ولاية المرشد علي خامنئي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/10/21، العدد: 10788، ص(8)]

ما يقال إن الأكراد في العراق لا أصدقاء لهم سوى الجبال يتردد صداه في جميع أنحاء العراق لأنه من دون صداقة الجبال سيكون العراق فاقدا لأهم عناصر الطبيعة وجمالها ومصايفها ومشاتيها وعيون وشلالات المياه التي طالما كانت مصدرا للسياحة والتواصل والعلاقات الاجتماعية بين أبناء الشعب العراقي.

هل بين أهل العراق من لا يحتفظ بذكريات جميلة عن تساقط الثلوج وهي مشاهد نادرة في العراق ومحدودة؟ الانتعاش الاقتصادي كان ينعم به إقليم كردستان كجزء من الدولة العراقية لتساويه في توزيع المرتبات للعاملين والموظفين كما في باقي المدن العراقية، لكنه كان يزيد عليها في واردات السياحة ومعظمها من داخل العراق وحتى من الزوار القادمين من دول الخليج العربي أو من دول الجوار.

الصعوبات ارتبطت دائما بعدم الاستقرار وارتباك الأمن ومفاجآت تغير مزاج المناخ السياسي ومغذياته الخارجية في صفة قد تنطبق على مساحة العراق، إلا أنها في كردستان أكثر وضوحا لأسباب شتى أهمها الإحساس الخاص لدى الأكراد بفقدان هويتهم الوطنية الخاصة لعائديتهم إلى عراق بهوية عربية، وهي عقدة لا يمكن تجاوزها بالعلاقات الإنسانية الطيبة أو بالتصاهر بين الأسر أو بالمشتركات التجارية.

وقائع المتغيرات أثبتت أن الانكفاء وآثار الانقسامات الطائفية في المدن العراقية بعد الاحتلال الأميركي تكتلت في مجموعات وتبادل سكاني مناطقي خفي وغير معلن يقارب التغيير الديموغرافي السري المتقابل، وهذا يفسر لنا حقيقة المشاعر الكردية تجاه رغبتهم بالانفصال أو الاستقلال بكامل مقومات الدولة دون الإخلال بصلاتهم النوعية مع باقي امتدادهم الجغرافي نزولا إلى البصرة.

حتى ثمانينات القرن الماضي كان الكثير من الأكراد يعيشون بعزلة حضارية لا يشكون منها ولا يتذمرون، والتقيتُ برجال كبار في السن لا يعرفون أسماء حكام العراق ولا تعني لهم السياسة شيئا في حياتهم إلا حين تفجعهم المداخلات العسكرية الصادمة لوجودهم، أو حين يتعرضون لاقتحامات الميليشيات الكردية التي كانت تعتاش على أرزاقهم ومحاصيلهم، لكنهم قبل تصاعد الحراك المسلح لم يجرب بعضهم مجرد الوصول إلى مراكز المدن في أربيل والسليمانية لانعدام الطرق الحديثة وصعوبة التنقل ومشاق الرحلة.

تعجبت تماما من إدارة بعض القرى البعيدة لشؤونهم الصحية وبالذات الحالات الطارئة، فتبين أنهم يعتمدونعلى العلاجات الطبيعية وخبرات تجريبية لبعض الأفراد من رجال أو نساء. هذا الواقع بلا مبالغة كان حقيقيا تماما إلى بداية الستينات مع بروز التمرد الكردي على سلطة الدولة في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم الذي سمح للقيادات الكردية وأسرهم بالعودة من الاتحاد السوفييتي. في العهد الملكي لم تنقطع المناوشات لكن الحركة الكردية الحديثة تبلورت في العام 1961.

هل كانت هناك حقوق خاصة للأكراد قبل ذلك؟ نعم فهم مواطنون عراقيون في تساويهم بالخدمات العامة. في مدارسهم دروس للغة الكردية إلى جانب اللغة العربية لأن الحروف متقاربة مع تغييرات بسيطة تشبه الكتابة اللفظية في العروض العربي، ودرس اللغة العربية كان العرب مشمولين به من الذين يقطنون في المدن الكردية. ومنذ السنة الدراسية 1960 -1961 صدرت تعليمات بتكريد جميع الدروس الإنسانية والعلمية وفتح مدارس معدودة للتلاميذ والطلبة من عرب العراق في المدن الكردية.

في السبعينات صدرت تعليمات بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بتدريس اللغة الكردية في الثانويات ببغداد والمحافظات الأخرى، وباشرت شخصيات مهمة في الدولة تعلم اللغة الكردية لما يبعثه ذلك من تطمينات في الاندماج في وطن واحد يتم فيه تبادل العلاقات وتهدئة الخواطر والتفاهم أيضا في الحالات الحرجة.

بداية اشتعال فتيل الأزمة الأصعب وملحقاتها كانت في طبيعة العلاقة الحدودية مع إيران وفي مناطق جبلية وعرة وشاقة جدا. كانت الحدود قبل العام 1974، كما يتذكر بعض العراقيين، عبارة عن صخرة مكتوب عليها الحدود العراقية وصخرة أخرى بالقرب منها مكتوب عليها الحدود الإيرانية، ولأن المخافر الحدودية متقاربة كانت الحياة اليومية توحد العلاقات بين أفراد المخافر في تلك الأماكن القاسية حد تحريك الصخرة الحدودية إلى أمتار قليلة داخل إيران أو داخل العراق كمزاح بينهم.

لكن ما حصل بعد التمرد الواسع في العام 1974 حوّل المناطق الحدودية هذه إلى شريط ملتهب بتداعيات أمنية متفاقمة تدفقت منها الأسلحة المهربة، وطبعا ما أصعب السيطرة عليها عن طريق المشاة أو الآليات القتالية ولذلك كان سلاح الطيران الحل الوحيد لمعالجة الأهداف مما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين في القرى النائية المترامية على الجبال وفي الوديان القريبة من الحدود والتي تشكل ملاذات للمهربين والمقاتلين.

دفع ذلك القيادة العراقية إلى اقتراح بناء قرى تتوفر فيها خدمات الماء والكهرباء وبمجمعات قريبة من الطرق الرئيسية في فكرة لإدماجها في واقع جديد اعتبرته الدولة منجزا يساعد تلك العوائل على حياة مختلفة أفضل، ويؤدي كذلك إلى تنفيذ خططها الأمنية، وبدأت بحملة فتح الطرق وتعبيدها وإيصال الكهرباء إلى أقصى القرى.

كان ذلك التصرف مفترقا لرفض شديد من الذين شملوا بالقرار رغم أنهم استلموا تعويضات مجزية شملت حتى عدد الأشجار التي كانت ضمن ملكياتهم في قراهم الأصلية. اعتبر الإجراء تغييرا سكانيا قسريا لغايات سياسية وعسكرية مما دفع المئات أو الآلاف من الشباب إلى الانخراط في فصائل الكفاح المسلح للحركة الكردية، لأن القيادات السياسية للأكراد عثرت على فرصة تحريض ضد الدولة بدوافع وصفتها بتهجير ممنهج للسكان الأكراد لوضعهم في مجمعات اعتبرها الأكراد سجونا ومعتقلات.

بهذه الوقائع والروحية الخاصة كانت تتفاعل الحركات الكردية والأحزاب المعروفة الآن والتي يمكن اختصارها بالعشيرة أو القبيلة البارزانية وتاريخها. كل الآخرين كانوا جزءا منها أما الانفصال عنها بأحزاب أخرى فهو نتيجة منطقية لنمو الشخصيات وتراكم الخبرات والأفكار.

الطابع الأساس لجميع القوى الكردية لا صلة له بقواعـد السياسة العامة، محلية كانت أو دولية، والتعاطي السياسي حتى لما نراه الآن مبني على قواعد قبلية مسلحة تشعر بالظلم العام حتى مع توفر كل اشتراطات التحرر لأنها بلا هوية وطنية معترف بها دوليا.

إنسانيا التعاطف لا يلبي الطموحات، والأكراد جربوا العالم ودول الإقليم والدولة العراقية. الشعور بالمؤامرة على قضيتهم لم يكن هوسا فقط بل كان، في بعض مفاصلها، حقيقة متكررة لأن ذلك أساسيات أي دولة حاكمة في رفض استخدام القوة من قبل أي مجموعة تخضع لصلاحياتها.

كل القوى السياسية الكردية خرجت من معطف الملا مصطفى البارزاني لذلك هناك أبوة نوعية وضمنية لابنه مسعود البارزاني عليها وعلى الشعب الكردي عموما، لا علاقة لها بانقسامات الواقع السياسي أو المصالح أو القرب من الأطراف الإقليمية.

لذلك فإن ما جرى في كركوك من انسحاب تم إيجازه من قبل الحزب الكردي الأم ونعني به الحزب الديمقراطي الكردستاني بمفردات الخيانة. سبق أن وصل النزاع في التسعينات إلى حد الاقتتال واستعان مسعود البارزاني رغم الواقع السياسي وصعوبات الحصار على العراق حينها بالقيادة العراقية التي أعادت الأمور إلى توازنها بين حزب جلال الطالباني وحزب مسعود البارزاني، وربما ما يحصل اليوم هو انتقام مؤجل استغلته إيران مع حزب الاتحاد الوطني.

هل تحققت الوحدة العراقية أخيرا على مقاس المشروع الإيراني برفع شعار عدم التفريط بشبر واحد من الأرض العراقية خارج سلطة ولاية المرشد علي خامنئي. الحقيقة في زلة لسان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مؤخرا عندما أراد أن يقول الحشد الشعبي إلا أنه استبدل كلمة الحشد بالحرس ثم استدرك؛ لكن متى يستدرك العالم زلة احتلال العراق؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر