الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

عمى الأرقام

في أعقاب الثورات العربية أصيب الجمهور الكريم بعمى الأرقام بشكل وبائي. بدأت الحالة من تقدير عدد المتظاهرين وتوسّعت لتشمل ثروة الحكام التي يفترض أنهم سرقوها من الشعب.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/10/24، العدد: 10791، ص(24)]

هذا أكثر أنواع العمى انتشارا. أحيانا أظن أن العالم ليس مسرحا كبيرا كما يقول شكسبير وإنما ليس سوى ناد اجتماعي كبير للمصابين بعمى الأرقام. يفاجئك العارف والجاهل بقول شيء لا تفسير له سوى الإصابة بذلك العمى.

كان بصحبتي يوما رئيس تحرير نشرة العاشرة مساء في التلفزيون التجاري البريطاني. أخذنا الحديث إلى العراق في أعقاب الغزو. كانت الموضة يومها الحديث عن المقابر الجماعية وهو موضوع توقف اللغط فيه فجأة ربما لندرة تلك المقابر فتلاشى الكلام مثل أسلحة الدمار الشامل.

كانت البي بي سي قد صوّرت تقريرا عن مقبرة جماعية، لعله التوثيق الوحيد. سألني صاحبي كم تقدّر عدد الجثث التي أظهرها التقرير؟ فأجبت بإخلاص حوالي سبعين. فعاد يسأل لعلك تقصد سبعين ألفا فقلت أقصد سبعين فقط.

هو رأى التقرير نفسه وهو صحافي مخضرم وواع لكنه أصيب بعمى الأرقام. الشوشرة وكثرة الكلام عن الآلاف وعشرات الآلاف، كما كان سائدا يومها، أعماه وصار يرى السبعين سبعين ألفا.

في أعقاب الثورات العربية أصيب الجمهور الكريم بعمى الأرقام بشكل وبائي. بدأت الحالة من تقدير عدد المتظاهرين وتوسّعت لتشمل ثروة الحكام التي يفترض أنهم سرقوها من الشعب الفقير وهرّبوها إلى الخارج.

لم تعد هناك مظاهرات بل صار هناك ما يعرف بالمليونيات. الذي يقول مليونيات لم يشاهد مليون إنسان ولا يستطيع أن يتخيل ذلك. صارت الجماهير تستسهل المليون وبلغ الأمر حدّ الزعم بأن هناك مظاهرة شارك فيها ثلاثون مليون إنسان.

أما ثروات الزعماء المخلوعين فراحت تتضخم وتتجاوز بيل غيتس نفسه. وصل الرقم في مصر إلى سبعين مليار دولار لثروة الرئيس المخلوع حسني مبارك التي يكتنزها في الخارج. وصار المليون رقما حقيرا ومبتذلا؛ من عنده سبعون مليون دولار فقير وزاهد، والمظاهرة ذات المئة ألف مشارك هزيلة ولا تستحق الذكر.

الغريب أن الإنسان الذي يستهين بالمليون ولا يرضيه سوى الألف ضعفٍ لكلّ شيء، هو نفسه لو قلت له وهو عائد من السوق: هل اشتريت طنا من الطماطم؟ لاتهمك بالجنون، وإن قلت له إن مكتبك يبعد عن بيتك عشرة آلاف كيلومتر لأمسك بتلابيبك وصرخ فيك مستهجنا.

الألف ضعفٍ يبدو أنه مقصور على عدد المتظاهرين وما اختلسه الحكام وربما يشمل المدفونين في المقابر الجماعية. ولو مدّ الله في أعمارنا عقدين آخرين لبلغت ثروة حسني مبارك سبعين تريليون دولار ولوصلت أعداد المشاركين في أيّ تظاهرة ستة مليارات إنسان (سكان كوكب الأرض) في القاهرة وحدها.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر