الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

أكبر من فساد، أقل من هزيمة

استبداد أجهزة الأمن، وفرض القبضة الخانقة، وإشاعة ثقافة التربص والشكوك والوشايات ليست العواصم من قواصم الفساد، بل تدل أحيانا على هشاشة نظام لا تدعمه شرعية حقيقية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/10/31، العدد: 10798، ص(9)]

في لندن، نهر صديقي الفلسطيني شرطيا إنكليزيا حاول أن يحصل منه على معلومات تخصّ جاره البريطاني. ذكّره بأن في الإجابة عن أسئلته نوعا من الوشاية، ونصحه بأن يجمع تحرياته بوسائله الخاصة.

وفي القاهرة، ورغم الفرحة الشعبية الطاغية مساء الأحد (8 أكتوبر2017) بتأهل مصر لكأس العالم لكرة القدم للمرة الأولى منذ عـام 1990، أتقن صحافي متقاعد “عمله”، فشغلته عن المشاركة في الفرح قضية أثارت انزعاجه، وكتب في صحيفة الأهرام أنه أثناء عزف النشيد الوطني، “فوجئت باللاعبين محمد عبدالشافي وصالح جمعة لا ينبسان ببنت شفة”. انس تعبير “ببنت شفة” وقد ابتذله الاستخدام المجاني ولم تفلح حماسة الهتاف ولهيب التشجيع في إذابته، وتذكّر الآن حرص الصحافي على أن “شريط المباراة موجود لمن يرغب في التأكد”. وعلى غرار عتاة اليمين الديني في الفتوى بحكم تارك الصلاة قدّم تفسيرا لهذا “الامتناع” بأنه موقف سياسي أو تكاسل أو إهمال أو جهل. سأتفادى ذكر اسم الكاتب؛ خشية أن يكون ذلك وشاية إلى قارئ ربما لا يسعفه الرجوع إلى النسخة الورقية، فيبحث عنه في الموقع الإلكتروني.

قد يكون هذا السلوك تطوّعا، ولكنه دال جدا، وإذا مددناه على استقامته فسينتهي إلى حالة بعثية لم تفلح هزيمة تلاها حصار في النجاة منها، أو حالة ناصرية أنقذتها هزيمة مازالت ارتداداتها قوية، ونعاني إلى الآن آثارها. ولسـت بحاجـة إلى تذكير أبنـاء صـاروا رجالا بمصائر آباء أنهـت حياتهم وشـاية برئية، ردا على سـؤال لئيم. وفي الحالة الناصرية تم الاعتراف بالخطأ واحتوائه، ربما لاختلاف بين التجربتين في الدرجة أو النوع.

من تجليات اليمين الديني أن ينشغل البعض بمراقبة درجة إيمانك، والإفتاء بموضعك في الآخرة، وماذا أعدّ لك هناك. ومن تجليات القبضة البوليسية أن يتطوع البعض بمراقبة درجة وطنيتك، ولا يتردد في التشهير بك. ولا يقتصر الأمر على منح صكوك الوطنية وحجبها، وإنما تفتح السلطة طريقا إلى محاكمات بناء على وشايات محام عاطل يبحث عن دور، تحت أضواء الفضائيات وأمام المحاكم.

لا يكون الهوس الأمني الوشائي ـ إذا جاز النحت اللفظي ـ إلا تغطية على فشل في أداء المهام الأساسية، ولم تكن الأجهزة الأمنية في الستينات من القرن الماضي أمينة في نقل حقيقة جيش غير مستعد للمواجهة. يسجل جوردون توماس في كتابه “جواسيس جدعون: التاريخ السري للموساد” أن العدوّ الصهيوني قبل حرب 1967 أحاط علما بكافة التفاصيل الخاصة بقادة الجيش وضباطه، وخصوصا الطيارين، بما في ذلك “ميولهم الجنسية… وهل وصلوا إلى رتبهم بمقدرتهم أو بالوساطة”، وأرسلت من القاهرة خطابات مجهولة إلى بيوت ضباط، فقرأت زوجاتهم اتهامات للأزواج الذين توالى حصولهم على إجازات مرضية؛ لكي يتمكنوا من حل مشكلاتهم الأسرية. وبعد الهزيمة سيعترف زكريا محيي الدين أن الموساد كان يعرف اسم كل ضابط مصري واسم زوجته، “ولم تكن المخابرات المصرية تعرف أين يسكن وزير الدفاع موشي ديان”.

في مقابل هذا الفشل الخارجي يرسم عبدالفتاح أبوالفضل في مذكراته “كنت نائبا لرئيس المخابرات” مشهدا يؤكد أن هزيمة يونيو1967 آتية لا ريب فيها، ففي 22 مايو1967 عاد من مؤتمر شعبي بالعريش حضره الشاعر محمود حسن إسماعيل، وتوقف في القنطرة شرق المطلة على قناة السويس، وفوجئ بفوضى “يعجز الإنسان عن وصفها” في محطة تنتظر بها قوات الاحتياط المتوجهة إلى سيناء، “والمفروض أنها على وشك الاشتراك في الجبهة. كان الكل في ملابس مدنية ومعظمهم بجلابيبهم الريفية ويحملون بنادقهم… جمعوا من قراهم على عجل ودون أي ترتيبات إدارية، وتسلموا أسلحتهم فقط.. وشحنوا في السكة الحديد كالدواب دون أي تجهيز أو ترتيب إداري من مأكل أو مشرب أو راحة. كانوا يتدافعون لشراء طعامهم من الباعة الجائلين بالمحطة في فوضى شاملة.. حشد هائل من الشباب والرجال الضائعين نتيجة إهمال واستهتار سلطات القوات المسلحة بآدميتهم”.

استبداد أجهزة الأمن، وفرض القبضة الخانقة، وإشاعة ثقافة التربص والشكوك والوشايات ليست العواصم من قواصم الفساد، بل تدل أحيانا على هشاشة نظام لا تدعمه شرعية حقيقية، أقصد الشرعية التي تتجدد بقبول سياسياته لا بلحظة وصوله إلى السلطة أيا كانت الطرق أو الاحتيالات. وفي هذا الاستئساد تنمو أعشاب سامة، فيسعى المشمولون بالحماية إلى تجنبها، في خلاص فردي يؤكد نوعا من الارتباط بين التلصص واللصوصية، وإلا كيف لا يصاب المواطن السويّ بالجنون وهو يرى أجهزة تحصي على المواطن كلماته التلقائية في الفيسبوك وتويتر وغيرهما من منصات التنفيس، في حين لا تكتشف اختلاس اثنين من المسؤولين في شركة للبترول أموالا إلا حين كادت المبالغ المسروقة تصطدم بحاجز المليار دولار؟

نعم مليار دولار. وأحد هذين المسؤولين ابن صحافي كبير درّس لي مادة التحقيق الصحافي في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وفي عهـد حسني مبارك شغـل منصب رئيس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط ثماني سنوات، بعد أن تولى لأكثر من 13 عاما رئاسة تحرير الصحيفة التي حمل ترخصيها اسم جمال عبدالناصر عام 1953.

في هذه الحالة من السعار، لا تُفسر السرقة بالاحتياج والمرور بضائقة، وإنما باستحلال “المال السايب”، والشعور بالأمان والنجاة من المساءلة في “لا دولة”. المبلغ المختلس يهينه القول إنه كبير جدا، فقد تجاوز 962 مليون دولار، ولولا أن نيابة الأموال العامة بدأت التحقيق وأعلنت الاتهام، لقلت إنه طرفة؛ إذ يصعب اختلاس هذا الرقم الملياري في فترة وجيزة، فكيف تغافلت الأجهزة الرقابية التي تستفزها وشاية ترمي مواطنا بريئا بأنه إخواني عن جريمة تستأهل استقالة أكبر مسؤول في هذا القطاع ومحاكمته؟

يجري إهدار دماء وأموال وأعمار، فتفتعل قضية عبثية ربما فعلها فتى أمنجي برفع راية في حفل، وتتنافس فضائيات ووشاة وخطباء منددين بالمثلية، ويخشى البرلمان والأزهر على فساد الدنيا والدين، وتلك مأساة أخرى.

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر