الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

اللوائح والقوانين والأعراف

المرء لا يرتكب جرما إلا إذا كان واثقا بأنه سينجو بجرمه ويفلت، وهذه قمة التفاؤل. لكن سلوكنا محدد بأشياء أخرى غير القانون، أشياء أهم وأخطر ولا نريد أن نخرقها، دون أن تكون مفروضة بالقوة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/10/31، العدد: 10798، ص(24)]

سلوكنا مقيد ومحدد بأشياء ولا مكان في حياتنا لحرية مطلقة. هناك لوائح وقوانين نراعيها إلا إذا كنا متفائلين جدا بكوننا محظوظين ولن يضبطنا أحد متلبسين بفعل يخرق القانون. أستخدم كلمة التفاؤل في محلها وأقصدها تأثرا بجون مورتيمر، الكاتب الإنكليزي الذي يعزو ارتكاب الجرم إلى التفاؤل، على أساس أن المجرم يعتقد أن أحدا لن يقبض عليه.

المرء لا يرتكب جرما إلا إذا كان واثقا بأنه سينجو بجرمه ويفلت، وهذه قمة التفاؤل. لكن سلوكنا محدد بأشياء أخرى غير القانون، أشياء أهم وأخطر ولا نريد أن نخرقها، دون أن تكون مفروضة بالقوة وليست هناك شرطة تشرف على الالتزام بها.

لا يوجد قانون يمنعك من الضحك وتبادل النكات في جنازة أحد. لكنك تلتزم بالتجهم حتى وإن كانت المناسبة ليست حزينة فعلا، وحتى إن تملكتك رغبة في الضحك. لا يوجد قانون، على حد علمي، يجرم الضحك في الجنائز. أنا أتحدث عن الأعراف والتقاليد التي نراعيها بحذر أكثر من القوانين ذات العقوبات. لا أحد يتحين الفرص للضحك في الجنازة لكن الإنسان يتحين الفرص لكسر قوانين المرور، مثلا، والضرب عرض الحائط بالإشارة الضوئية، إذا بلغ به التفاؤل حد أنه يعتقد أن أحدا لا يراه.

المهم، هناك شيء اسمه “العيب”، تمنعه الأعراف فقط، ويتوصل المجتمع إليه بالإجماع وبالتراضي والالتزام به لا يحتاج شرطة.

وهناك عيوب محلية وأخرى كونية. وهناك أحيانا عيب كوني لكن بدرجات نهي مختلفة. هناك حضارات تمنعه تماما وهناك من يخففه. مثال على هذا العيب دس الإصبع في المنخر. الأطفال بالذات يرونه أمرا طبيعيا ويستهويهم تطابق قطر إصبع السبابة مع قطر فتحة المنخر. وبلغ بهم الحال أنني سمعت رأي طفل يقول إن الغوريلا منخره واسع جدا لأن أصابعه كبيرة جدا. وهكذا يكون المنخر المأوى الطبيعي للسبابة.

كل هذا يقودني إلى حكاية عراقي يعيش في ألمانيا وفد عليه زائر من العراق وأقام لديه. العراقي الوافد المكتمل الشهامة لاحظ امرأة ألمانية في العمارة التي يسكن فيها مضيفه تحمل أكياسا ثقيلة وكثيرة وهي حامل ولها بطن ممتدة لأكثر من متر أمامها.

هرع العراقي الشهم لمساعدتها وقال لقريبه أين زوجها ليحمل عنها، فقال له القريب إنها غير متزوجة وحملها أمر عادي هنا. ذهل الضيف العراقي ووقف متأملا ودس إصبعه في أنفه فقال المضيف: أخرج إصبعك، عيب.

فصرخ العراقي الشهم: “عيب؟ حامل من غير زواج، عادي. ودس الإصبع في الأنف عيب؟”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر