الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

ترام القاهرة.. كتاب يوثق لثورة كبرى اندلعت عام 1896

في كل جيل تصدر كتب، وتتعرض لظلم وتهميش وإقصاء، سهوا من دون قصد، أو عمدا بسبب الغيرة، والمجايلة حجاب بالطبع. ولكن نسخا قليلة أو نسخة واحدة على الأقل تنجو لكي تكتمل الأسطورة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/04، العدد: 10802، ص(17)]

ترام القاهرة كان أكثر من مجرد وسيلة نقل عمومية

حين دخلت دار الهلال، رئيسا لتحرير مجلة "الهلال" أول يوليو 2014، جاء لتهنئتي رجل تذكرت وجهه، وكنت أراه في نهاية ثمانينات القرن العشرين، كلما زرت رجاء النقّاش وأنا طالب بجامعة القاهرة. كان النقّاش يذهب إلى دار الهلال ليلا، ولم يكن مطلوبا من "حسن عمار" أن يسهر في الشغل، ولكنه يحب عمله بأكثر مما هو مطالب به ويعتبر دار الهلال بيته، وما يربطه بالدار أكبر من عقد يحدد ساعات العمل. وقد تقاعد قبل سنوات ولم يقعد، فلا يزال أول الحاضرين صباحا يشرف على العمال، ويمد يديه معهم إذا احتاج الأمر وهو دائما يحتاج، كما لا يتأخر عن القيام بأي مهمة يطلبها زائر أو محرر في الدار.

شخص ما مثل "حسن عمار"، ربما ألهم رالف والدو إمرسون (1803 - 1882) تفاؤلا عبر عنه قائلا "ليس في العالم، في وقت واحد، أكثر من إثني عشر شخصا يقرأون أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخة واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك فإن هذه المؤلفات تنحدر من جيل إلى جيل من أجل هذه القلة من القراء، كأن الله يحملها لهم بين يديه". هذا يخص الحياة التي تكتسبها الأعمال المؤسسة للفكر الإنساني وهي تتعدى لغتها الأصلية، وتصير ملكا للإنسانية في كل العصور.

وفي كل جيل تصدر كتب، وتتعرض لظلم وتهميش وإقصاء، سهوا من دون قصد، أو عمدا بسبب الغيرة، والمجايلة حجاب بالطبع. ولكن نسخا قليلة أو نسخة واحدة على الأقل تنجو لكي تكتمل الأسطورة، وتجاور أبطال أساطير نجوْا من مذابح جماعية مدبرة، وحروب وكوارث طبيعية أفنت الجميع وأبقت على الناجي لكي يروي الأسطورة ويصون الذاكرة الجماعية.

يحدث أحيانا أن تُصادَرَ مجلة أو صحيفة، ويتولى حرس شداد الإشراف على إعدامها، وتبحث عن هذه النسخة المصادرة "المعدومة"، في المجلد الخاص بها في أرشيف الدار الصحفية، فلا تعثر عليها بين النسختين السابقة واللاحقة. ثم يحدث أن تقلب بالمصادفة في مجلد آخر للصحيفة نفسها في دار الكتب والوثائق فتجد النسخة المصادرة.

لم يصدق المحقق هشام عبدالعزيز حين رأى في دار الكتب نسخة من مجلة "روزاليوسف" تقول البيانات إنها صودرت، وهذا يعني أنها أعدمت، وأحسن الظن أن يحتفظ ضابط كبير في وزارة الداخلية بنسخة لنفسه من باب الفضول، ثم تؤول إلى الورثة. بحث هشام وتقصى واكتشف أن رجلا مخلصا مثل "حسن عمار" يسهر حتى مطلع الفجر لكي يطمئن على صدور المجلة، ويحتفظ في ركن قصي بالنسخة المخصصة للإيداع بدار الكتب، وأنه فعل ذلك، بتلقائية الروتين اليومي، قبل أن يكتشف البصاصون خطأ لا يصح أن توزع المجلة إلا بعد محوه، ولا وقت لاستبداله، ولم يكن من بديل إلا إعدام النسخ كلها، وكأن المجلة لم تطبع.

ويحدث أن رجلا آخر مثل حسن عمار يصلي الفجر، ثم يأخذ نسخ الصحف التي خرجت ساخنة من المطبعة إلى دار الكتب، ويسلمها إلى رجل يحضر مبكرا قبل الموظفين، ويصنف النسخ ويوزعها على مشاريع المجلدات. هؤلاء العمال الطيبون يؤدون أعمالهم بإخلاص منزّه عن الصخب وصراع أجنحة السلطة، فأغلبهم لا يقرأ، وتلك من الحالات النادرة التي تحمد فيها الأمية لحامل الأسفار؛ فلو عرف بعض التفاصيل لأصابه خوف لم ينج من مثله كاتب في القلب من سلطة ثورة 23 يوليو 1952.

كان أحمد حمروش ضابطا له علاقة بالشأن الثقافي قبل الثورة، مثل ثروت عكاشة وإن زاد عليه بكتابة القصة القصيرة والمسرحية، وسيصير مؤرخا رسميا للثورة التي اختارته قبل مرور شهرين على استيلائها على الحكم لرئاسة تحرير مجلة "التحرير". وفي عام 1966 كان طرفا في واقعة موضوعها صنع الله إبراهيم وروايته الأولى "تلك الرائحة".

محمد سيد كيلاني مؤلف كتاب "ترام القاهرة" تخصص في تحقيق الكتب التراثية

صودرت الرواية، وتمكن المؤلف من "استخلاص عدد من النسخ"، أهداها إلى أصدقاء وصحفيين لم يصلهم خبر المصادرة، فنشروا تعليقات عن رواية تستقر في مخازن وزارة الداخلية. في عام 1986، بعد عشرين عاما، كتب المؤلف في مقدمة الطبعة الكاملة للرواية أنه حاول أن يوسط معارفه لدى القريبين من ذوي النفوذ للإفراج عن الرواية، وذهب مع الشاعر الشيوعي زكي مراد إلى رئيس تحرير مجلة "روزاليوسف" أحمد حمروش ذي الميول اليسارية، وقد رحب بصنع الله إبراهيم "بحرارة، وأراني بروفة العدد الجديد من المجلة وبه تعليق صغير له عن الرواية تحت عنوان «لغة العصر». وعندما أبلغته بنبأ المصادرة ظهرت عليه المباغتة"، واتصل هاتفيا بقريب له في مصلحة الاستعلامات وأنصت إليه، و"قبل أن يعيد السماعة إلى مكانها اتصل بمطبعة المجلة وطلب شطب مقاله عن الرواية".

قد يدوم الاختفاء "المؤقت" لكتاب مئة سنة، ولكن إحدى النسخ سيعثر عليها ورثة مؤلف عانى إهمال معاصريه وأبنائه، فأخفاها عنهم، خبيئة يحظى بها من يقدرها في جيل لاحق، وتشق طريقها إلى شارع المتنبي ببغداد أو شارع النبي دانيال بالإسكندرية أو سور الأزبكية في القاهرة.

هذا الباب مصالحة مع أحد هذه الكتب.

تفاصيل اللحظة القاهرية قبل دخول الترام وبعد أن أصبح حقيقة

يحدث أحيانا أن تدوم دلالة كلمة، محتفظة بقدرتها على الإيلام، بعد اختفاء المدلول. يكفي أن يوصف الآن رجل بأنه "عَرْبَجي" لإطلاق طاقة الغضب، واندلاع شجار، ربما يراق فيه دم، على الرغم من عدم إدراك المقصود بالسباب لمعنى العربجي، وربما يكون ابن مدينة لم ير في حياته أي "عربجي" ممن يقودون عربات خشبية في الريف وأحياء شعبية بالمدن. وقد أورثنا الاحتلال التركي اللاحقة "جي" ببعض المهن والحرف لتحديد المنتسب إليها، فنقول "بوسطجي"، و"أمنجي" على المتعاون مع أجهزة الأمن ويكتب وشايات وتقارير في زملائه ورؤسائه ومرؤوسيه، و"بلطجي" على من يستخدم البلطة في تقطيع الأشجار، وكان البلطجية من وحدات المشاة في الجيش ثم تحولت الدلالة إلى من يمارس العنف بعيدا عن القانون وينتهج العدوان، وفي اليمن يسمون "بلاطجة"، وفي سوريا شبيحة.

الحداثة وحدها أنهت "دولة العربجية" في القاهرة، ووضعت حدا لاستبداد الحمّارين الذين احتكروا عملية نقل المواطنين بين أحياء المدينة. جرى ذلك عام 1896 حين شق الترام شوارع المدينة العجوز، فأحدث ثورة كبرى.

في كتاب "ترام القاهرة" يثبّت مؤلفه محمد سيد كيلاني اللحظة القاهرية قبل دخول الترام وبعد أن أصبح حقيقة. قبل هذا التاريخ كان مجتمع القاهرة يعتمد في التنقل على استخدام الحمير والخيل، في طرق غير ممهدة، غير مضاءة باستثناء الشوارع الكبرى. واحتكر أصحاب الحمير والعربات مهمة نقل الناس في مدينة لا رابط بين أحيائها، وكان الانتقال من مكان إلى آخر سفرا شاقا، "وإذا حدث فإنه يتم نهارا، ولأمر هام. فعاش سكان كل حيّ في عزلة تكاد تكون تامة عن بقية الأحياء الأخرى.. فساكن العباسية مثلا لا يفكر في الذهاب إلى مصر القديمة إلا لأمر هام، وقلما يفعل ذلك.

كان نوع العربة يحدد الطبقة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي لمستخدميها، فلا تستوي الحمير والخيل

وكان التجار وأصحاب الحرف يتخذون محلاتهم في الحارات التي يسكنونها أو قريبا منها"، ويحتاج التنقل إلى تهيئة نفسية، واتخاذ قرار تحت وطأة "استبداد أصحاب الحمير والعربات، وتحكمهم في الناس، وما يوجهونه للجمهور من ألفاظ سافلة، وعبارات نابية، حتى أصبحت كلمة حمّار أو حوذي "عربجي" تعني سوء الأدب وانحطاط الأخلاق".

كانت للحمير مواقع محددة للإيواء والانتظار، أشهرها موقف- مرآب كما يسميه القاموس- لخدمة السياح والأجانب عند فندق شبرد القديم، بالقرب من حديقة الأزبكية قلب القاهرة النابض بالحركة والمجون. وللمؤلف كتاب شهير وسري أيضا عنوانه "في ربوع الأزبكية" صدر قبل نحو ستين عاما. والآن، في ظل نفاق ديني واجتماعي يدّعي الفضيلة، لا يتحمس الناشرون لإعادة طبع الكتاب؛ خشية الاتهام بخدش الحياء العام، لوجود ألفاظ وتعبيرات تذكّر القارئ بالطبعات الأصلية لألف ليلة وليلة، قبل هوس "التهذيب".

كان نوع العربة يحدد الطبقة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي لمستخدميها، فلا تستوي الحمير والخيل، وكانت عربات الركوب التي تجرها الخيل للأغنياء، وقليل منها للتأجير لمتوسطي الحال، أما العربات العامة فتسير ببطء ولمسافات قصيرة. ولم تتح الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية فرصا لأبناء السواد الأعظم من الشعب للتعليم الذي تنطلق فلسفته من التفاعل بين معلمين وتلاميذ من أماكن مختلفة تجمعهم المدرسة، وكان الصبي الذي لا يجد مدرسة قريبة لا يتعلم، إلى أن ربط الترام أواصر المدينة، "فأحدث بظهوره ثورة هائلة في حياة المجتمع القاهري" الذي يضم 55597 بيتا، و379 مسجدا، و374838 نسمة، منهم 31650 من الأجانب.

قبل عصر الترام، تشكلت لجنة من ثلاثة مهندسين عام 1892، لوضع تصور لمشروع الصرف الصحي بالقاهرة، وسجلت في تقريرها أن تراجع التدابير الصحية أدى إلى زيادة معدلات الوفيات، إذ بلغ المتوسط السنوي للوفيات 4.61 بالمئة، في مقابل 1.74 بالمئة في لندن، وفي باريس 2.37 بالمئة، وفي مرسيليا 2.97 بالمئة، "مع أن الطبيعة قد خصتها (القاهرة) بإقليم يقرب أن يكون عديم المثل والنظير في الجودة". وقد طلبت الحكومة اعتماد 40 ألف جنيه من ميزانية عام 1894 كدفعة أولى لتنفيذ المشروع الذي رفضه مجلس الشورى، وتأجل المشروع حتى عام 1909، وانتهى في يناير 1914 وتكلف نحو مليوني جنيه.

في نوفمبر 1894 صادقت الحكومة على منح شركة بلجيكية إنشاء ترام القاهرة، في ثمانية خطوط. وفي العاشرة من صباح أول أغسطس 1896 أجريت "حفلة تجريبية" لتسيير الترام، وقد استقله حسين فخري باشا وزير الأشغال من العتبة إلى القلعة، واصطف الآلاف على الجانبين لمشاهدة أول مركبة تسير في العاصمة بقوة الكهرباء، وركض المئات من الأولاد وراءها، وهم يصرخون "العفريت، العفريت". أما الاحتفال الرسمي بتسيير الترام فكان في 12 أغسطس، وأقامت الشركة زينة باهرة في ميدان العتبة وامتدت موائد الطعام والمرطبات.

صون الذاكرة يتحدى الرقابة والإهمال

أثمرت ثورة الترام اتساع حركة العمران، وافتتاح البنك الأهلي عام 1898، ونشاط الحركة التجارية، ونشأة المتاجر الأنيقة، وتشييد البنايات الفخمة، وانتعاش سوق الإعلانات في الصحف، وصعود الحركة العمالية والنقابية، والتواصل الاجتماعي الذي ساعد على تكوين رأي عام أصبح "له خطر وتأثيره على الجهات الحاكمة"، وازدهار النهضة الفنية بإنشاء المسارح والملاهي "في ربوع الأزبكية"، وسهر الشبان في الملاهي والمراقص، وضعفت رقابة الآباء على الأبناء الذين نشأوا "على غير مذهب آبائهم"، كما "استطاعت" المرأة ركوب الترام وحدها، إلا أنها صارت عرضة للتحرش، فتأخذها الرعدة "من هذه السفالة.. يركبون القطار ذهابا وجيئة، وليس لهم أرب سوى التهكم وإبداء سفالتهم لكل امرأة يجدونها في القطار وحدها". وينقل الكتاب عن صحيفة "المؤيد" عام 1900 أنهم "عثروا في يوم واحد على ثلاثة عشر لقيطا في جوانب القاهرة".

وفي إشارة دالة إلى خصام العقل والنقل، التقليد والتجديد، والاستجابة العكسية للترهيب، يقول المؤلف "مما ساعد على انتشار موجة الفساد أن خطباء المساجد أخذوا منذ بدء العصر الترامي يحذّرون الناس، وينذرونهم باقتراب موعد القيامة. فعكف كثيرون على الشهوات ليمتعوا أنفسهم قبل أن يدركهم الموت". ونشرت صحيفة "اللواء" عام 1904 أن وعيد خطباء المساجد بالنار أمات النفوس، "وانقطع منها الأمل فيما يوصل للسعادة من عمل. وخشيت الحرمان في دنياها مما قنطت به في آخرتها، فاسترسلت في شهواتها خوف الغبن في الصفقتين".

محمد سيد كيلاني (1912 - 1998) لم يتزوج، عاش راهبا عاكفا على تحقيق كتب تراثية، وتأليف كتب أصبحت وثيقة على فترات من التاريخ، ومنها "الغزو الإيطالي على ليبيا والمقلات التي كتبت في الصحف المصرية ما بين 1911 و1917"، و"الأدب المصري في ظل الحكم العثماني"، و"الأدب القبطي قديما وحديثا"، و"طه حسين الشاعر الكاتب"، و"السلطان حسين كامل.. فترة مظلمة في تاريخ مصر 1914 - 1917".

كاتب من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر