الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

دولة الرعب.. الجسد يتحدى هشاشة البرلمان والأزهر

من آثار 25 يناير الحسنة أنها وضعتنا في مواجهة ما يشبه حقيقة أن الجسد عقدة أغلب الأطياف السياسية والدينية، تختلف في قضايا كثيرة ولا تتفق إلا على قمعه، سجنا وتعذيبا وتعزيرا وحجبا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/11/09، العدد: 10807، ص(8)]

في أوروبا والدول المتقدمة تستفز طاقاتك الإيجابية، فلا تلتفت إلى لغو وسخافات تجاوزها العقل الراشد، ولكن لهذا اللغو في “ديار الإسلام” مكانة كبرى تندلع بسببه حروب الكلام، وتشتعل منابر المساجد ومنصات الفتوى والفضائيات والقضاء، وتفتح أبواب السجون أيضا. صديقي محمد الذي كان زميل دراسة منذ نهاية السبعينات يعمل طبيبا مرموقا في لندن، مطمئن القلب بالإيمان ولا تفوته صلاة، ويلتزم في عمله بقانون علماني، إنساني ومهني، يمنعه إلا من الإنكار بقلبه إذا رأى سلوكا يتعارض مع إيمانه، مثل فحص حالة مكان صاحبها في بلادنا الرجم، أو الإعدام رميا من فوق جدار.

في هولندا قابلت مسلمين من مصر وتونس والمغرب ولبنان والعراق وفلسطين وغيرها. يحمدون الله على النجاة من ضيق “ديار الإسلام” إلى رحابة بلاد عنوانها الخيال الطليق، وقد اندمجوا حيث لا ينص الدستور على أن للدولة دينا، بعد أن سعوا إلى اكتساب الجنسية، وقبلوا شروطها وفقا لعقد إنساني صارم يترك فيه الملك للمالك، ويكون لكل إنسان “شأن يغنيه” عن الفضول لمعرفة دين غيره، ناهيك عن ميوله وخصوصا الجنسية في بلاد لا تجرّم المثلية، ولا يشعر أحد من الأقلية المسلمة بأن في هذا السلوك الشخصي غواية جسدية لمسلم، أو تهديدا لدينه والنيل من هيبة عقيدته.

ليس في طرح هذه القضية للنقاش شيء من التزيّد، والاستعلاء على مشكلات سياسية واقتصادية ربما تنتهي بثورة لن تتمتع بروح 25 يناير 2011، فالحريات لا تتجزأ، وما ترضى بتأجيله مرحليا بدعوى أنه هامشي وشخصي فإن عليك أن تحتمل تأجيله إلى الأبد. وفي العادة تكون المشكلات السياسية والاقتصادية ثمرة مرة، بل دامية أحيانا، للقمع وغياب الشفافية وتراجع أجهزة الرقابة والمحاسبة. وفي الستينات أدت هذه العوامل إلى هزيمة يونيو 1967، كما أنهت طبعة مزيّدة غير منقحة من هذه العوامل حكم حسني مبارك بثورة نجحت القوى المضادة في احتوائها وشيطنتها.

حضرت قضية الجسد في ميدان التحرير، حين تأكد لقوى اليمين الديني سقوط مبارك. لست أدعي حكمة بأثر رجعي، فقد سجلت في كتابي “الثورة الآن” المنشور عام 2011 مشهدا جرى مساء الثلاثاء 8 فبراير، إذ أبت تلك الليلة “إلا أن تمضي من دون حادث عارض، سيكون له ما بعده.. فوجئت بمن دفعني من ظهري.. كان قد دفع غيري، وحين مددت يدي اعتراضا على سلوكه قال لي “مسيرة للأخوات”. رأى ذلك مبررا كافيا. كان رجال وشبان بقمصان وجلابيب قصيرة، يتفقون في إطلاق لحاهم بأطوال متفاوتة، ويختلفون في حلق الشوارب، يشكلون بأذرعهم المتشابكة حلقة، تتخذ شكل الدائرة، وحسب طبيعة جغرافيا الميدان والزحام تتحول إلى مستطيل أو مربع، أو شكل يشبه الأميبا، وفي الوسط نساء بجلابيب سود، لا فرق بين امرأة وفتاة، إذ تختفي ملامح الوجوه القليلة السافرة بين كائنات يلفها السواد. قلت لهذا الأخ “يعني إيه مسيرة للأخوات؟”. رد بدهشة وهو يتحلى بالصبر “يعني مسيرة للأخوات!”. قلت “إن هذا استفزاز يسيء إلى أخواتنا وزميلاتنا، ولا أحد يعترضهن في أي مكان، من دون الحاجة إلى سياج يحمي المسيرة، وإن البنات في ‘موقعة الجمل’ لم يكنّ بحاجة إلى مثل هذه الحماية المفتعلة حيث لا يوجد ذئاب”. لم يفهم أنني أريد أن أقول له إن هذا السلوك نوع من التنطع أو النفاق الاجتماعي، أو الاستعراض السياسي قبيل اقتسام غنيمة الثورة. لقد أفسدوا علي فرحتي.

الحريات لا تتجزأ، وما ترضى بتأجيله مرحليا بدعوى أنه هامشي وشخصي فإن عليك أن تحتمل تأجيله إلى الأبد

من آثار 25 يناير الحسنة أنها وضعتنا في مواجهة ما يشبه حقيقة أن الجسد عقدة أغلب الأطياف السياسية والدينية، تختلف في قضايا كثيرة ولا تتفق إلا على قمعه، سجنا وتعذيبا وتعزيرا وحجبا. لم يكن جسد المرأة عورة في ميدان التحرير إلا بالمقدار الذي يكون فيه جسد الرجل عورة. عشنا لحظة رقيّ وتحضر، واكتشفنا أن في الجوهر المصري قيمة إنسانية لا تفرق بين جنسين “بعضهم من بعض”، “النساء شقائق الرجال”. وما إن أُزيح مبارك حتى بدأت المزايدة على طمس الجسد، في الفضائيات ولجنة دستور الإخوان، ضمن تنافس على استبعاد خيار الحرية، وانتهى التهاون في بعض الجوانب وتأجيل حسمها بمشهد يتعدى مصادرة الحريات، إلى تأميم الفضاء العمومي، رغم تغييب الإخوان واستئناس سلطة ما بعد 30 يونيو 2013 بفصائل اليمين الأخرى.

في قضية الحرية لا ينفصل الشخصي عن العام، ولك أن تلاحظ الهجوم المنظم على واقعة ربما دبرها جهاز أمني بدفع فتى أمنجي، لكي يرفع يوم 22 سبتمبر 2017 راية قوس قزح في حفل غنائي بالقاهرة، فيتلقى النائب العام بلاغا بالواقعة، ويحيله إلى نيابة أمن الدولة العليا، وفي 25 سبتمبر يلقى القبض على شبان شاركوا في الحفل، ويواجهون تهمة “التحريض على الفسق والفجور”، وتأمر النيابة بالكشف عليهم، في إجراء استنكرته منظمة العفو الدولية قائلة إن “الكشوف الشرجية الإجبارية بغيضة، وتصل إلى حد التعذيب. السلطات المصرية سجلها مروع في مجال الكشوف الطبية الجائرة التي تصل إلى حد تعذيب المعتقلين خلال احتجازهم”.

ويوم 27 سبتمبر، أطلق عبدالفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، طاقة غضب من منبر الجمعة في الجامع الأزهر. هو وغيره ممن تتاح لهم ميكروفونات المساجد ومحاضرات الجامعة والبرامج الدينية لم تؤذهم مشاهد دماء وقتل بالاشتباه، وموت غامض لسجناء ضحايا قوانين غير دستورية، أقصد الإيذاء الذي يستوجب استنكارا لفظيا؛ فالدم عند الله أشد حرمة من الكعبة. ولكن الشيخ قال إن الأزهر سيواجه بكل قوة ويتصدى مع مؤسسات الدولة لدعاوى “الانحراف الجنسي، ومن يسعون إلى نشر شذوذهم بين أبناء المجتمع″. هي إذن حرب يُستهدف بها عدو وهمي يتم اختلاقه، فلم يعلن شخص عن شذوذه، إعلان لا دعوة تبشيرية، ولكن خطبة الجمعة هذه بعض من خطاب شعبوي يستهوي جمهورا محبطا يعاني الكبت المتنوع والغلاء والقهر، ويجد في النفاق الأخلاقي تعويضا نفسيا، بعد إيهامه بأن الدين هش تهدمه راية، ويهدد سلامته سلوك يمارس خفية. وفي الوقت ذاته لا توجه تهمة إلى محام ملتاث قال في التلفزيون إن المرأة التي ترتدي “بنطلونا مقطّعا اغتصابها واجب قومي، والتحرش بها واجب وطني”. تحريض صريح ما كان ليمر لولا تمتع قائله بشيء من الحماية.

ويستجيب لهذا العجين برلماني، فيتقدم بمشروع قانون لتجريم المثلية، في اتهام للمجتمع بالهشاشة والانهيار استجابة لإغراء غير موجود. ولا أعرف كيفية التحقق من تهمة المثلية، فمن المعروف استحالة إثبات وقوع العلاقة التقليدية بأربعة شهود.

لم يكن هذا الحشد ليحتاج إلى جهود عباس شومان وكيل الأزهر، إذ شغل وقته بمقال في الأهرام (23 أكتوبر 2017) لإثبات أن “الشذوذ الجنسي.. جريمة إرهاب أخلاقي لا تقل خطورة في ميزان الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والأعراف الإنسانية والعادات والتقاليد المجتمعية عن جرائم الإرهاب الدموي”. وأكد أن “التدين متجذر في نفوس المصريين”، ولو كان كذلك فكيف نرتعش من “مخطط لغزو أخلاقي” إلى آخر مقال لا يختلف عن خطبة إنشائية. ما يحزنني أن المشايخ لا يفرقون بين الخطابة المنبرية وفن المقال الذي لا يجيدونه، ويصرون عليه فيسهمون في زحف التصحر.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر